سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٩ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
صاففت الروم على هذا الترتيب، فحملوا علينا، فبينا رجل منا كان فى آخر الصف فقام على قدميه، فحمل عليه علج[١] من العدو فأصاب غرّته فقتله.
و لما برز المقتدر بالله بن هود[٢] ملك الأندلس، من سرقسطة- فى ثغور بلاد الأندلس- للقاء الطاغية ردميل عظيم الروم، و كان كل واحد منهم قد احتشد بما فى ميسوره، فالتقى المسلمون و الكفّار، ثم تنازلوا للقتال و تصاففوا، و دام القتال بينهم صدرا كبيرا من النهار، و كان المسلمون في خسران، فأفزع المقتدر ذلك، و فرق المسلمون[٣] من شر ذلك اليوم، فدعا المقتدر رجلا من المسلمين، لم يكن فى الثغور أعرف بالحرب منه يسمى (سعدارة) فقال له المقتدر: كيف ترى فى هذا اليوم؟ فقال سعدارة:
هذا يوم أسود، و لكن قد بقيت لى حيلة، فذهب سعدارة- زيّه زيّ الروم و كلامه كلامهم، لمجاورتهم و كثرة مخالطتهم- فانغمس فى عسكر الكفار، ثم صعد إلى الطاغية (ردميل)، فألفاه شاكّا فى السلاح[٤]، مكفّنا فى الحديد، لا يظهر منه إلا عيناه، فجعل يتخيّله و يترصد غرّته[٥]، إلى ان أمكنته الفرصة، فحمل عليه فطعنه فى عينه فخر صريعا لليدين و الفم، ثم جعل ينادى بلسان الروم: قتل السلطان يا معشر الروم، فشاع قتله فى العسكر، فتخاذلوا و ولوا منهزمين، و كان الفتح بإذن الله.
و لما استضعف الرّوم صقلّيّة و ضربوا عليهم الخراج، فكانوا يحملون إليهم الخراج، و يحملون الأموال إلى العرب بإفريقية، و يستنجدون بهم على الروم، فقال لهم ملك الروم: إنما مثلى و مثلكم يا أهل صقلية، مثل رجل له زوجتان: عجوز و صبية، فكان إذا بات عند الصبية تلقط الشيب من لحيته
[١] - العلج: الرجل الضخم القوى من كفار العجم.
[٢] - المقتدر بالله بن هود ثانى ملوك الدولة الهودية من دول الطوائف و عاصمتهم سرقسطة( سبق التعريف بوالده المستعين بالله، و كيف قسم مملكته على أبنائه فى حياته ...) و قد احتال أحمد هذا على أخوته و اعتقلهم و سمل أعينهم إلا واحدا منهم، و فى أيام المقتدر هذا اقتحم الروم مدينة( بشتر) و ارتكبوا فيها الفظائع فقاومهم و انتصر عليهم فى منطقة و انبسطت أيديهم فى أخرى. و مات بسرقسطة سنة ٤٧٥ ه( الأعلام- الزركلى ج ١/ ١٣٢).
[٣] - فرق المسلمون: خافوا كثيرا.
[٤] - شاكا أو شائكا فى السلاح أى وجده ذا شوكة وحدة فى سلاحه مستعدا للقتال.
[٥] - يترصّد غرّته: ينتظر ساعة غفلته، و ليأخذه على حين غرّة( غفلة).