سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٨٧ - الباب الحادى و الستون فى ذكر الحروب و تدبيرها و حيلها و أحكامها
تركى، و إذا هم منهم كالرّقمة[١] فى ذراع الحمار، فجمع ذوى الرأي من أهل الحرب و التدبير و الشفقة على المسلمين و النظر فى العواقب، و استشارهم فى استخلاص صواب الرأي، فتشاورا برهة، ثم أجمع رأيهم على اللقاء، فتوادع القوم و تحالفوا، و ناصحوا الإسلام و أهله، ثم تأهّبوا أهبة اللقاء، و قالوا لألبأرسلان: نسمى الله تعالى و نحمل على القوم، فقال ألب أرسلان: يا معشر أهل الإسلام، أمهلوا فإن هذا يوم الجمعة، و المسلمون يخطبون على المنابر، و يدعون لنا فى شرق البلاد و غربها، فإذا زالت الشمس، و فاءت الأفياء[٢]، و علمنا أن المسلمين قد صلوا و دعوا لنا و صلينا نحن، عملنا أمرنا، فصبروا إلى أن زالت الشمس، ثم صلوا و دعوا الله تعالى أن ينصر دينه، و أن يربط على قلوبهم بالصبر، و أن يوهن عدوّهم، و أن يلقى فى قلوبهم الرعب، و كان ألب أرسلان قد استوثق من خيمة ملك الروم و علامته و فرسه و زيّه ثم قال لرجاله: لا يتخلف أحدكم أن يفعل كفعلى، و يضرب بسيفه، و يرمى بسهمه، حيث أضرب بسيقى و أرمى بسهمى، ثم حمل جميعهم حملة رجل واحد إلى خيمة ملك الروم، فقتلوا من كان دونها، فخلصوا إليه و قتل من حوله، و أسر ملك الروم، و جعلوا ينادون بلسان الروم: قتل الملك، فسمعت الروم أن ملكهم قد قتل، فتبددوا و تمزقوا كل ممزق، و عمل السيف فيهم أياما، و أخذ المسلمون أموالهم و غنائمهم، و استحضر ملك الروم بين يدى ألب أرسلان بحبل فى عنقه، فقال له ألب أرسلان: ما كنت تصنع بي لو أخذتني؟ قال:
فهل تشكّ أني كنت أقتلك؟ فقال له ألب أرسلان: أنت أقلّ فى عينى من أن أقتلك، اذهبوا به و بيعوه فيمن يزيد، فكان يقاد بالحبل فى عنقه، و ينادى عليه: من يشترى ملك الروم؟ و ما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام و منازل المسلمين، و ينادى عليه بالدراهم و الفلوس، فلم يدفع فيه أحد شيئا، حتى باعوه من إنسان بكلب، فأخذ الذى كان تولى ذلك من أمره الكلب و الملك، و حملهما إلى ألب أرسلان، و قال: قد طفت جميع العسكر و ناديت عليه، فلم يبذل فيه أحد شيئا، إلا رجل واحد دفع لى فيه كلبا، قال: قد أنصف، لأن
[١] - الرقم: العلامة أو اثر الكىّ. و العبارة كناية عن قلة عددهم أمام حشود الروم.
[٢] - فاءت الأفياء: أى صارت لذوات الظل ظلال و ذلك ما بين الزوال إلى الغروب.