سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٨ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
و قال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل، ما لم تعد العفو ضيما أو البذل سرفا[١].
و في الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، و إذا عفوت فقد تفضلت.
و قال بعض الحكماء: اقبل العذر و إن كان مصنوعا، إلا أن يكون ممن أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك للعذر فيه اشتراك في المنكر.
و لما دخل الفيل دمشق، حشر الناس لرؤيته، و صعد معاوية إلى عليّة له متطلعا، فبينما هو كذلك، إذ نظر في بعض الحجر في قصره، رجلا مع بعض حرمه، فأتى الحجرة و دق الباب، فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل، فقال: يا هذا أ في قصري و تحت جناحي تهتك حرمي، و أنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل و قال: حلمك أوقعني، قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال نعم. فخلى سبيله.
و هذا من الدهاء العظيم، و الحلم الواسع، أن يطلب السّتر من الجاني، و هو عروض قول الشاعر:
|
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم |
و تذنبون فنأتيكم فنعتذر |
|
و أتي موسى الهادي[٢]، برجل قد جنى، فجعل يقرّعه بذنوبه و يتهدده، فقال الرجل: اعتذاري مما تقرّعني به ردّ عليك، و إقراري بما ذكرته ذنب، و لكني أقول:
|
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة |
فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر |
|
فأمر بإطلاقه.
و قال المهلب[٣]: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيّته منه بحسن العفو، لم يوحشها الذنب و إن عظم، و إن خشيت منه العقوبة أوحشها الذنب و إن صغر، حتى يضطّره ذلك إلى المعصية.
[١] - الضيم: الظلم، السرف: الإسراف.
[٢] - موسى الهادي: موسى بن المهدي بن المنصور، الخليفة العباسي الرابع، و قد حاول إكراه أخيه هارون الرشيد على التنازل عن ولاية العهد، فقتل في دار الحريم بالموصل و بتحريض من أمه الخيزران سنة ١٧٠ ه. فلم يتول الخلافة إلا سنة واحدة( الأعلام ٧/ ٣٢٧).
[٣] - المهلب بن أبي صفرة، سبقت ترجمته.