سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠٧ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
قصدا، فإنّ الغيرة كامنة، و اجعل للرّجوع و النّزوع بقية من قلبك، و احذر صولة الانهماك، فإنها تؤدى إلى المهالك[١].
و هو مثل قول علي بن أبى طالب رضى الله عنه: «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يبغضك يوما ما، و أبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما»[٢].
و من ذلك قول الأول:
|
و أحبب حبيبك حبّا رويدا |
فليس يعولك أن تصرما[٣] |
|
و قال آخر:
|
و لا تيأسنّ الدّهر من حبّ كاشح |
و لا تأمننّ الدّهر صرم حبيب[٤] |
|
و سئل بزرجمهر عن العقل، فقال: ترك ما لا يعنى، قيل: فما الحزم؟ قال:
انتهاز الفرصة، قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟
قال: ملك الغضب. قيل فما الخرق[٥]؟ قال: حبّ مغرق و بغض مفرط.
و قيل لبعض الملوك- و بلغ فى المنزلة و القدر ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه-: ما الذى بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوى عند قدرتى و لينى بعد شدّتى، و بذل الإنصاف، و لومي لنفسي، و إبقائى فى الحب و البغض مكانا لموضع الاستبدال.
[١] - القصد: الاعتدال. الرجوع و النزوع: العودة للحق و التوبة و المبادرة لها. صولة الانهماك:
غلبة التمادي في الشيء.
[٢] - اعتبر الشيخ الطرطوشي رحمه الله هذا الأثر مثلا أو قولا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، و لعله الأصح. على حين اعتبره بعض أهل السنن حديثا لرسول الله صلى اللّه عليه و سلم، و في تخريجه قال الزيلعي:
رواه الترمذي عن أبي هريرة في باب ما جاء في الاقتصاد في الحب و البغض، و قال حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه عن أبي هريرة مرفوعا، و قد رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و هو ضعيف أيضا، و الصحيح هذا عن علي موقوفا،( تخريج الأحاديث و الآثار، الزيلعي، تحقيق: عبد الله السعد ٢/ ٤٦٤ و ما بعدها).
- كما رواه الطبراني في معجمه الأوسط عن ابن عمر، و قال فيه عبد السلام الهروي ضعيف جدا.
- كما ذكره الدارقطني في علله و قال: لا يصح رفعه و الصحيح أنه عن علي موقوفا.
- رواه ابن حبان في كتاب الضعفاء و قال ليس هذا من حديث أبي هريرة و إنما هو من قول علي.
\* و لعل هذا ما جعل الطرطوشي رحمه الله يعدّه قولا لعلي لا حديثا و الله أعلم.
[٣] - الصرم و الصرامة: القطيعة.
[٤] - الكاشح: العدو الباطن العداوة، كأنه يطويها في كشحه أو باطنه.
[٥] - الخرق: الحمق.