سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٩١ - فصل في بعض الأخبار و المواعظ
و قال بعض الحكماء: الدّنيا كالماء المالح، كلّما ازداد صاحبه شربا ازداد عطشا، و كالكأس من العسل في أسفله السمّ، للذائق منه حلاوة عاجلة و له في أسفله الموت الذّعاف[١]، و كالأحلام للنائم التي تفرحه في منامه، فإذا استيقظ انقطع الفرح، و كالبرق الذي يضيء قليلا، و يذهب وشيكا و يبقى رائيه في الظلام مقيما، و كدودة الإبريسم[٢] التي لا يزداد الإبريسم على نفسها لفّا إلا ازدادت من الخروج بعدا، و فيه قال القائل:
|
كدود كدود القزّ ينسج دائما |
و يهلك غمّا وسط ما هو ناسجه[٣] |
|
و مثال من يستعجل زهرة الحياة الدنيا و يعرض عن الدار الآخرة، مثال رجلين لقطا من الأرض حبّتي عنب، فأمّا أحدهما فجعل يمص الحبة التذاذا بها، ثم بلعها، و أمّا الآخر فزرع الحبة فلما كان بعد زمان التقيا، فأما الذي زرع الحبة وجدها قد صارت له كرما و كثرت ثمرته، و فكّر الآخر في صنعه في الحبّة فوجدها قد صارت عذرة[٤]، و ليس عنده منها شيء إلا الحسرة على تفريطه، و الغبطة لصاحبه.
و قال وهب بن منبّه[٥]: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل:
إن أردت أن تسكن معي في حضرة القدس، فكن في الدنيا وحيدا فريدا، مهموما و حشيا، بمنزلة الطير الوحداني، الذي يظل في الأرض الفلاة، و يأكل من رءوس الشجر، و يشرب من ماء العيون، فإذا كان الليل أوى وحده و لم يأو مع الطير استئناسا بربّه.
و لبعضهم:
|
كم للحوادث من صروف عجائب |
و نوائب موصولة بنوائب[٦] |
|
|
و لقد تقطّع من شبابك و انقضى |
ما لست أعلمه إليك بآئب[٧] |
|
|
تبغي من الدّنيا الكثير و إنّما |
يكفيك منها مثل زاد الرّاكب |
|
[١] - الموت الذعاف: و يقال أيضا: الموت الزعاف: أي الموت السريع.
[٢] - الإبريسم أو الإبرسم: كلمة فارسية و تعني: الحرير.
[٣] - الكدود: الكثير الكد و بذل الجهد.
[٤] - العذرة: الغائط أو أردأ ما يخرج من الطعام.
[٥] - وهب بن منبه: التابعي المؤرخ، سبقت ترجمته.
[٦] - صروف الدهر: نوائبه و أحداثه العجيبة.
[٧] - آئب: راجع.