سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٨ - الباب التاسع و الأربعون فى سيرة السلطان فى الإنفاق من بيت المال و سيرة العمال
مخلاة، و بات يصلي و يبكي حتى أصبح، فأعرض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها، فقالت امرأته: رحمك اللّه، لو حبست منها شيئا نستعين به، فقال: سمعت النبى صلى اللّه عليه و سلم يقول: «لو اطّلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض، لملأت الأرض من ريح المسك»[١] و إنى و اللّه ما أختارك عليهن فسكتت.
و روي أن عمر رضى اللّه عنه، استعمل على حمص رجلا يقال له عمير بن سعد[٢]، فلما مضت السنة، كتب إليه أن يقدم عليه، فلم يشعر به عمر إلّا أن قدم ماشيا حافيا معه عكازته و أدواته و مزودته و قصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال: يا عمير أ خنتنا؟ أم البلاد بلاد سوء؟ فقال: يا أمير المؤمنين:
أ ما نهاك اللّه أن تجهر بالسوء، و عن سوء الظن، و ما ترى من سوء الحال و قد جئتك بالدنيا أجرها بقرابها؟ فقال: و ما معك من الدنيا؟ قال: عكازة أتوكّأ عليها، و أدفع بها عدوا إن لقيته، و مزودى أحمل فيه طعامى، و أدواتى هذه أحمل فيها ماء لشربى و صلاتى، و قصعتى هذه أتوضأ فيها، و أغسل فيها رأسى، و آكل فيها طعامى، فو اللّه يا أمير المؤمنين ما الدنيا تعدّ إلا تبعا لما معى.
قال: فقام عمر من مجلسه إلى قبر رسول الله صلى اللّه عليه و سلم و أبى بكر فبكى، ثم قال: (اللهم ألحقنى بصاحبيّ غير مفتضح و لا مبدّل) ثم عاد إلى مجلسه.
ثم قال: ما صنعت فى عملك يا عمير؟ قال: أخذت الرقة من أهل الرقة[٣]، و الإبل من أهل الإبل، و أخذت الجزية من أهل الذمة عن يد و هم صاغرون، ثم قسّمتها بين الفقراء و المساكين و أبناء السبيل، فو اللّه يا أمير المؤمنين لو بقى منها شيء عندى أتيتك به، فقال عمر: عد إلى عملك. فقال عمير: أنشدك اللّه أن لا تردنى إلى عملى، فإنى لم أسلم منه، حتى قلت لذمّي (أخزاك اللّه) و لقد خشيت أن يخاصمنى له محمد صلى اللّه عليه و سلم و لقد سمعته يقول:
[١] - رواه الطبرانى فى الكبير و الضياء عن سعيد بن عامر، و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى رقم ٧٤٠٦٩.
[٢] - عمير بن سعد بن عبيد الأوسى: انصارى، صحابى، من الولاة الزهاد، شهد فتوح الشام، استعمله عمر بن الخطاب على حمص، فأقام فيها سنه، ثم دعاه إلى المدينة فجاءها، فلما أراد عمر إعادته أبى، و مات سنة ٤٥ ه و قيل مات فى أيام عمر و كان عمر يقول: وددت أن لى رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين( الأعلام ٥/ ٨٨).
[٣] - الرقة( الأولى) الدراهم أو نصاب الزكاة الخارج من الأرض ورد فى الحديث« فى الرقة ربع العشر) و الرقة( الثانية) الأرض التي يصيبها المطر في الحر فتنبت و تخضرّ