سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٦ - الباب التاسع و الأربعون فى سيرة السلطان فى الإنفاق من بيت المال و سيرة العمال
تقصر عينك عليّ][١]، قال: فدخل منزله، فلم ير شيئا، فقال عمر: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبدا أو شنا[٢]، و صحفة، و أنت أمير. أ عندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة[٣] فأخرج منها كسرات، فبكى عمر. فقال أبو عبيدة: قد قلت لك تقصر عينيك على يا أمير المؤمنين، يكفيك من الدنيا ما بلّغك المقيل، فقال عمر: غرّتنا الدنيا بعدك يا أبا عبيدة.
و قال النخعى[٤]: بعث عمر بن الخطاب مصدقين[٥]، فأبطئوا عليه و بالناس حاجة شديدة، فجاءوا بالصدقات، فقام فيها متّزرا، بعباءة، يختلف فى أولها و آخرها، يقول: هذه لآل فلان، و هذه لآل فلان، حتى انتصف النهار و جاع، و دخل بيته حتى إذا أمكن أكله أكله، ثم قال: من أدخله بطنه النار أبعده الله[٦].
و قال طاوس[٧]: أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فما أكل سمنا و لا سمينا حتى أكل الناس.
و قال سعيد بن جبير[٨]: إن عليا رضى الله عنه قدم الكوفة و هو خليفة، و عليه إزاران قطريان، قد رقع إزاره بخرقة- ليست بقطرية- من ورائه، فجاءه أعرابى فنظر إلى تلك الخرقة، فقال: يا أمير المؤمنين كل من هذا الطعام، و البس و اركب، فإنك ميت أو مقتول، قال: إن هذا[٩] خير لى في صلاتى،
[١] - هكذا في( ط) و معنى تقصر عينك أي تؤلمها. و في( خ):[ ما تريد إلّا أن تغضّ عينيك عليّ] أي تخفض عينيك استحياء مما ستجده عندي.
[٢] - اللّبد: بساط من شعر أو صوف. الشن: قربة يوضع فيها لماء.
[٣] - الجونة: خابية مطلية بالقار.
[٤] - الأشتر النخعي مالك بن الحارث: أمير من كبار الشجعان، شهد اليرموك و ذهبت عينه فيها، شهد الجمل و صفين مع علي رضي الله عنه، و كان من أشد أنصاره، مات سنة ٣٧ ه( الأعلام ٥/ ٢٥٩).
[٥] - مصدقين: الذين يجمعون أموال الصدقات.
[٦] - سقطت كلمة( النار) من( ط).
[٧] - طاوس بن كيسان: سبقت ترجمته.
[٨] - سعيد بن جبير الأسدى: كوفى تابعى و أعلم التابعين على الإطلاق، أخذ العلم عن عبد الله بن عباس و ابن عمر كان مع عبد الرحمن بن الأشعث لما خرج على عبد الملك بن مروان و لما قتل عبد الرحمن ذهب سعيد إلى مكة و هناك قبض عليه والي مكة و أرسله إلى الحجاج فقتله سنة ٩٥ ه و ما هى إلا أيام حتى مات الحجاج بنفس العام.( الأعلام ٣/ ٩٣).
[٩] - أي الإزار المرقوع.