سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٥ - الباب التاسع و الأربعون فى سيرة السلطان فى الإنفاق من بيت المال و سيرة العمال
فاحتفروا فاستخرجوا منه سفطا[١] فيه جوهر فكتب إلى عمر بن الخطاب، أما بعد: فإنى دخلت إيوانا من إيوان كسرى، فرأيت كذا و كذا، فاحتفرت فأخرجت سفطا فيه جوهر، فلم أجد أحقّ به منك يا أمير المؤمنين، لم يكن من فىء[٢] المسلمين فأقسمه بينهم، إنما أصبنا شيئا تحت الأرض.
فلما قدم السّفط على عمر، و عليه خاتم السائب، فرأى عمر فيما يرى النائم، كأن نارا أجّجت و هو يراد أن يلقى فيها، فكتب إلى السائب: أن اقدم عليّ، قال: فقدمت عليه و هو يطوف فى إبل الصدقة، فطفت معه إلى نصف النهار، ثم دعا بماء فاغتسل، و دعا لى بماء فاغتسلت، ثم ذهب إلى منزله، فأتى بلحم غليظ[٣]، و خبز متحمّش[٤] فقال: أنظر من على الباب، فإذا سودان[٥] من الصوفية، فأذن لهم، فجعل يأكل معهم، فإذا لحم غليظ لا أستطيع أن أسيغه، و قد كنت تعودت درمك[٦] أصبهان، إذا وضعته فى فمى دخل بطنى، ثم دعا بالسفط، و قال: أ تعرف خاتمك؟ قلت: نعم، فقال كتبت ترفق لى تزعم أنى أحق به، من أين أصبته؟ فأخبرته، قال: اذهب فاجعله فى بيت مال المسلمين، حتى أقسمه بينهم.
و قال قتادة: قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الشام، فصنع له طعام لم ير قبله مثله، فقال: هذا لنا؟ فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا، و هم لا يشبعون من خبز الشعير؟ قال خالد بن الوليد[٧]: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر، و قال: لئن كان حظنا فى هذا الطعام و ذهبوا بالجنة، لقد باينونا بونا بعيدا.
و قال عبد الله بن عمر العمرى: عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه حين قدم الشام قال لأبى عبيدة[٨]: اذهب بنا إلى منزلك، قال: [ما تريد إلى أن
[١] - السفط: وعاء كالقفة يعبأ فيه الطيب أو ما أشبهه من أدوات النساء.
[٢] - الفىء: ما أخذ من الكفار بعد ان تنتهى الحرب أما الغنائم فما يؤخذ منهم و الحرب قائمة.
[٣] - لحم غليظ: أى قاس.
[٤] - خبز متحمش: جاف و صلب.
[٥] - السودان: مجموعة من الناس الواحد سوداني يلبسون الصوف تقشفا.
[٦] - الدرمك: الدقيق الأبيض.
[٧] - خالد بن الوليد: المخزومى القرشى سيف الله المسلول كان من أشراف قريش و من فرسان الإسلام أسلم قبل فتح مكة سنة ٧ ه مات فى حمص سنة ٢١ ه.( الأعلام ٢/ ٣٠٠).
[٨] - أبو عبيدة عامر بن الجراح: القرشى الأمير القائد فاتح الديار الشامية و الصحابى و أحد العشرة المبشرين بالجنة، كان يلقب« أمين الأمة»، شهد كل المشاهد وقاد جيوش المسلمين بعد خالد بن الوليد حتى بلغ آسيا الصغرى شمالا و الفرات شرقا توفى بطاعون عمواس و دفن فى غور بيسان سنة ١٨ ه.( الأعلام ٣/ ٢٥٢).