سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٦٧ - الباب التاسع و الأربعون فى سيرة السلطان فى الإنفاق من بيت المال و سيرة العمال
و أصلح لقلبى، و أشبه بسنة الصالحين قبلى، و أجدر أن يقتدي بي من أتى من بعدي.
و قال الحسن: إن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، بينا هو يعسّ فى المدينة بالليل، أتى على امرأة من الأنصار تحمل قربة، فسألها، فذكرت: أن لها عيالا، و أن ليس لها خادم، و إنها تخرج فى الليل فتسقيهم الماء، و تكره أن تخرج بالنهار، فحمل عمر عنها القربة حتى بلغ منزلها، و قال اغدى على عمر غدوة يخدّمك خادما، قالت: لا أصل إليه، قال: إنك ستجدينه إن شاء اللّه تعالى، فغدت عليه فإذا هى به، فعرفت إنه الذى حمل قربتها، فذهبت تولى، فأرسل فى إثرها و أمر لها بخادم و نفقة.
و لما حج عمر رضى اللّه عنه قال كم بلغت نفقتنا يا يرفأ[١]؟ قال: ثمانية عشر دينارا يا أمير المؤمنين، قال: ويحك، أجحفنا ببيت مال المسلمين.
و قال شهر بن حوشب[٢]: لما قدم عمر الشام، طاف بكورها[٣] حتى نزل حمص، فقال: اكتبوا لي فقراءهم، فرفعوا إليه الرقعة، و إذا فيها سعيد بن عامر، فقال: من سعيد بن عامر[٤]؟ قالوا: أميرنا. فعجب عمر، و قال: كيف يكون أميركم فقيرا؟ فقالوا: إنه لا يمسك شيئا، فبكى عمر، و بعث إليه بألف دينار يستعين بها فى حاجته، فجعل يسترجع، فقالت له امرأته: مالك؟
أصابك أمير المؤمنين بشىء؟ قال: أعظم من ذلك، أتتنى الدنيا، دخلت علىّ الدنيا، و إنى سمعت النبى صلى اللّه عليه و سلم يقول: «إن فقراء المسلمين يدخلون الجنّة قبل أغنيائها بأربعين عاما»[٥] فو اللّه ما يسرّني أني حبست عن الرعيل الأول، و أن لى به ما طلعت عليه الشمس، قالت: فاصنع فيه ما شئت، قال: هل عندك معونة؟ قالت: نعم، فأتته بخمارها، فصر الدنانير فيها صررا، ثم جعلها فى
[١] - يرفأ: خادم أو صاحب عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما.
[٢] - شهر بن حوشب: فقيه قارئ من رجال الحديث شامى الأصل، سكن العراق و قد ولى بيت المال مدة، و هو متروك الحديث و لكنه كان ظريفا، من ذلك: قال له رجل: إنى أحبك، فقال: و لم لا تحبنى و أنا أخوك فى كتاب اللّه و وزيرك على دين الله و مئونتي على غيرك مات سنة ١٠٠ ه( الأعلام: ٣/ ١٧٨).
[٣] - الكور: القرى أو البقع التى تجتمع فيها المساكن.
[٤] - سعيد بن عامر الجمحي القرشى: صحابى ولاه عمر إمرة حمص بعد افتتاح الشام توفى فيها سنة ٢٠ ه و كان مشهورا بالزهد.( الأعلام ٣/ ٩٧).
[٥] - أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر بلفظ( أن فقراء المهاجرين ... خريفا) و الحديث صحيح( الجامع الصغير للسيوطى رقم ٢٣٠٥).