سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٧٤ - الباب الموفى خمسين فى سيرة السلطان فى تدوين الدواوين و فرض الأرزاق و سيرة العمال
و قال سعيد بن المسيّب[١] و أبو سلمة[٢]: كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أبا العيال، يسلّم على أبوابهن، و يقول: أ لكنّ حاجة؟ و أيّتكنّ تريد أن تشترى شيئا؟ فيرسلن معه بحوائجهن، و من ليس عندها شيء اشترى لها من عنده، و إذا قدم الرسول من بعض الثغور، يتبعهن بنفسه فى منازلهن بكتب أزواجهن، و يقول: أزواجكنّ فى سبيل الله، و أنتن فى بلاد رسول الله، إن كان عندكن من يقرأ، و إلا فاقر بن من الأبواب حتى أقرأ لكنّ، ثم يقول: الرسول يخرج يوم كذا و كذا، فاكتبن حتى نبعث بكتبكن، ثم يدور عليهن بالقراطيس و الدواة، يقول: هذه دواة و قرطاس، فادنين من الأبواب حتى أكتب لكنّ، و يمرّ إلى المغيبات[٣] فيأخذ كتبهن، فيبعث بها إلى أزواجهن.
و قال الربيع بن زياد الحارثى[٤]: كنت عاملا لأبى موسى الأشعرى على البحرين، فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو و عمّاله، و أن يستخلفوا جميعا، فلما قدمت المدينة أتيت يرفأ[٥] فقلت: يا يرفأ، مسترشد و ابن سبيل، أى الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله؟ فأومأ إلى الخشونة، فاتخذت خفين مطارقين[٦]، و لبست جبة صوف، و لست عمامتى على رأسى، فدخلنا على عمر، فصففنا بين يديه، فصعّد فينا و صوّب[٧]، فلم تأخذ عينه غيرى، فدعانى، فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثى، قال و ما تتولى من أعمالنا؟ قلت: البحرين. قال: و كم ترزق؟ قلت: ألفا. قال:
كثير، فما تصنع بها؟ قلت: أتقوّت منها شيئا، و أعود على أقارب لى، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين، قال: فلا بأس، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعى من الصف، فصعّد فينا و صوّب، فلم تقع عينه إلا علىّ، فدعانى، فقال:
كم سنّك؟ قلت خمس و أربعون سنة؟ قال: الآن حين استكملت.
[١] - سعيد بن المسيب: سيد التابعين و أحد فقهاء المدينة السبعة جمع العلم و الورع و كان يحفظ أحكام عمر و أقضيته حتى سمى« راوية عمر» توفى بالمدينة سنة ٩٤ ه.( الأعلام ٣/ ١٠٢).
[٢] - الفقيه المحدّث أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، توفي سنة ٩٤ ه، و قد سبقت ترجمته.
[٣] - المغيبات: من غاب أزواجهن.
[٤] - الربيع بن زياد الحارثى أمير فاتح، ولى البحرين، ولّاه عبد اللّه بن عامر على سجستان ففتحت على يديه، له أخبار مع عمر بن الخطاب، بقى فى إمارته إلى أن توفى سنة ٥٣ ه( الأعلام ٣/ ١٤).
[٥] - يرفأ: خادم عمر بن الخطاب و حاجبه.
[٦] - أى نعلين باليين و ثوب طرائق أي خلق.
[٧] - صعّد فينا و صوب: أى تأمل فينا ناظرا من أعلى إلى أسفل.