سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠٩ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
الاجترام[١]، قد كسا رعيّته جميع نعمته، و قصرهم[٢] تعنيف عقوبته، فهم يتراءونه تراءى الهلال حيالا[٣]، و يخافونه مخافة الموت نكالا[٤]، و قد وسعهم عدله، و رد عنهم سطوة عقله، فلا تمتهنه مزحة، و لا تؤيسه غفلة، إذا أعطى أوسع، و إذا عاقب أوجع، فالناس اثنان: راج و خائف، فلا الراجى خائب الأمل، و لا الخائف بعيد الأجل، قلت: فكيف رهبتهم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها، و لا تتبعه الأبصار إنسانها[٥]، كأن رعيّته قطا[٦] فرّقت عليها صقور صوائد. قال فحدّثت المأمون بهذين الحديثين، فقال لى: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل: إن قيمتهما أكثر من الخلافة، أ ما علمت حديث أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه، قال: (قيمة كلّ امرئ ما يحسن). أ فتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا، قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجّلة لهما، و اجعل العدة مادّة[٧] بينى و بينهما على العود، فلو لا حقوق الإسلام و أهله لرأيت اعطاءهما ما فى بيت المال الخاصة و العامة دون ما يستحقانه.
و قال الفضل بن سهل[٨]: كان عندى رسول ملك الروم، و كان يحدثنى عن أخت للملك، يقال لها (خاتون) قال: أصابتنا سنة[٩]، احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب، و صنوف الآفات، ففزع الناس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به، فقالت له خاتون: أيها الملك: أن الحزم علق[١٠] و لا يخلق جديده[١١] و لا يمتهن عزيزه، و هو دليل الملك على استصلاح رعيته، و زاجر
[١] - عند الاجترام: عند ارتكاب جريمة أو مخالفة.
[٢] - قصرهم: كفّ عنهم.
[٣] - حيال الشيء: قبالته و إزاءه.
[٤] - نكالا: العقاب و التنكيل.
[٥] - إنسان العين: بؤبؤ العين أو ناظرها.
[٦] - القطا: طائر معروف.
[٧] - اجعل العدة مادّة: أي الوعد بالعودة ممدودا و مستمرّا.
[٨] - الفضل بن سهل: وزير الخليفة المأمون، و قد سبقت ترجمته.
[٩] - سنة: قحط و مجاعة.
[١٠] - العلق: الثوب الجيد أو النفيس من كل شيء لتعلق القلب به.
[١١] - لا يخلق جديده: لا يصبح جديده خلقا باليا و لا عزيزه ممتهنا محتقرا.