سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٧ - الباب الأول في مواعظ الملوك
و قال أبو هريرة: قال لي النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أ لا أريك الدنيا جمعا بما فيها؟» قلت: بلى. قال: فأخذ بيدي و أتى بي إلى واد من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رءوس الناس، و عذرات[١]. و خرق بالية، و عظام البهائم، ثم قال: «يا أبا هريرة، هذه الرءوس كانت تحرص على الدنيا كحرصكم، و تأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط جلدا بلا عظم، ثم هي صائرة رمادا رمددا، و هذه العذرات ألوان أطعمتهم، اكتسبوها من حيث اكتسبوها، ثم قذفوها في بطونهم فأصبحت و الناس يتحامونها، و هذه الخرق البالية رياشهم و لباسهم، ثم أصبحت و الرياح تصفقها، و هذه العظام عظام دوابّهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك»[٢]. قال: فما برحنا حتى أشتد بكاؤنا.
و قال ابن عمر[٣]: أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، ببعض جسدي فقال: «يا عبد الله كن في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل و عدّ نفسك من أهل القبور»[٤].
يا أيها الرجل إن كنت لا تدري متى يفجؤك الأجل، فلا تغترّ بطول الأمل، فإنه يقسّي القلب و يفسد العمل، و قد عيّر الله أقواما مدّ لهم في الأجل، فقست منهم القلوب، و طال منهم الأمل، فقال تعالى: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد: ١٦].
|
أحسنت ظنّك بالأيّام إذ حسنت |
و لم تخف سوء ما يأتي به القدر |
|
|
و سالمتك الليالي فاغتررت بها |
و عند صفو الليالي يحدث الكدر |
|
يا أيها الرجل ألق إليّ سمعك و أعرني لبّك:
|
فإن كنت لا تدري متى الموت فاعلمن |
بأنّك لا تبقى إلى آخر الدّهّر |
|
[١] - العذرات: جمع عذره و هي أردأ ما يخرج من الطعام( البراز).
[٢] - قال الحافظ أبو الفضل العراقي في تخريج هذا الحديث:« هذا الحديث لم أجد له أصلا» انظر:
المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، العراقي( ٢/ ٨٧٦ رقمه ٣٢٠٣).
[٣] - هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن، صحابي جليل نشأ في الإسلام و هاجرا إلى المدينة مع أبيه و شهد فتح مكة، افتى الناس في الإسلام ستين سنة، رفض الخلافة بعد مقتل عثمان، غزا أفريقية مرتين، و هو آخر من توفي بمكة من الصحابة سنة ٧٣ ه، و له( ٢٦٣٠) حديثا.( الأعلام ٤/ ١٠٨).
[٤] - رواه البخاري عن ابن عمر بلفظ:[ يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل]، و زاد الإمام أحمد و ابن ماجة و الترمذي:[ وعد نفسك من أهل القبور]، و الحديث صحيح( الجامع الصغير ٢/ ٩٧، رقم ٦٤٢١).