سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤٠ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
الباب الثامن و العشرون في الحلم
قال الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود: ٧٥] و قال تعالى:
فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [الحجر: ٨٥].
قال علي رضي الله عنه، الصّفح الجميل: الرّضا بلا عتاب.
و قيل: الصفح الجميل: الرّضا بلا توبيخ فيه و لا حقد معه.
و في الأمثال القديمة: كاد الحليم أن يكون نبيا.
و يروى أن رجلا قال: يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهن و لا يكثرن علي فأنسى، قال: «لا تغضب»[١].
و اعلم: أن الحلم أشرف الأخلاق، و أحقّها بذوي الألباب، لما فيه من راحة السر، و اجتلاب الحمد، و أحقّ الناس به السلطان، لأنه منصوب لإقامة أود الخلائق، و ممارسة أخلاقهم، و لا يطيفون به في حال سلمهم، و إنما يغشون بابه حين تنازعهم و خصوماتهم و شرورهم، و تكدّر نفوسهم، و ضيق أخلاقهم، فإن لم يكن معه حلم يرد به بوادرهم[٢] وقع تحت عبء ثقيل.
و كان أنوشروان ذا حلم و أناة، و كان يقول: في خصلتان، لو لا أنهما ظاهرتان عند الرّعية لضقت بهما ذرعا: الحلم و الأناة.
و روي أن يحيى بن زكريا، لقي عيسى بن مريم، ٨، فقال: يا روح الله، أخبرني بأشدّ الأشياء في الدارين؟ قال: غضب الله تعالى: قال: يا روح الله: و ما ينجيني من غضب الله تعالى؟ قال: ترك الغضب: قال: يا روح الله: كيف بدوّ[٣] الغضب؟ قال: التعزز، و التكبر، و الفخر على الناس.
و في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «وجبت محبة الله تعالى على من أغضب فحلم»[٤].
[١] - رواه الإمام أحمد و البخاري و الترمذي عن أبي هريرة و رواه الإمام أحمد و الحاكم عن جارية بن قدامة و الحديث صحيح( الجامع الصغير- رقم ٩٨٣٥).
[٢] - بوادرهم: ما يبدو و يظهر منهم عند الغضب.
[٣] - بدوّ الغضب أي بدايته و علامة ظهوره.
[٤] - الحديث: رواه ابن عساكر عن عائشة( كنز العمال ج ٣/ رقم ٥٨٢٦).