سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٤١ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و الذي يجمل أن يضرب في هذا الباب، قصة إسحاق ٧، قال له إبراهيم: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[١] [الصافات: ١٠٢]. ثم إنه تله للجبين و أمر على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرا، فقال الله تعالى:
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ[٢] [الصافات: ١٠١].
و في الأخبار يقول إبليس لعنه الله: إن الحديد من الرجال لم ييأس منه، و إن كان يحيي الموتى بدعائه، لأنه تأتي عليه ساعة يحتدّ فيها، فيصير منه إلى ما يريد.
و يروى أن جعفر بن محمد[٣]، دخل على الرشيد، و قد استخفّه الغضب، فقال له: يا أمير المؤمنين: إنّك إنما تغضب لله تعالى، و لا تغضب له بأكثر من غضبه لنفسه.
و اعلم- أرشدك الله- أن هذه الكلمة لا قيمة لها، و الله أعلم حيث يجعل رسالاته، فما أفخمها و أجلّ قدرها و أعظم شأنها. لأنك إذا كنت أيّها السلطان إنما تتصرف في ملك الله بأمر الله، فالله تعالى قد حدد حدودا، و شرع شرائع، و أقام فروضا و سننا، و نهى عن حدود و رسوم، ثم قدّر في كل خصلة عند مخالفته حدّا محدودا، و نهى أن يتجاوز ذلك الحد، فلا يقتل من استحق القطع و الحبس و الأدب و الحدّ، و لا يحبس غير من استوجب الحبس.
و كان الخلفاء، يؤدّبون الناس على قدر منازلهم، فمن عثر من ذوي المروءات أقيلت عثرته و لم يقابل بشيء، لقوله ٧: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»[٤]. و من سواهم كان يقابل على قدر منزلته و هفوته، فكان
[١] - يرى بعض المفسرين أن الذبيح هو إسحاق و لكن المشهور لدى المفسرين أن الذبيح هو إسماعيل ٧ استنادا لقوله عليه الصلاة و السلام( أنا ابن الذبيحين أي اسماعيل و عبد المطلب) و أن البشارة بولادة إسحاق و نبوته كانت بعد قصة الذبح الخاصة بإسماعيل( مختصر تفسير ابن كثير ج ٤/ ص ١٥).
[٢] - و لكن البشرى بولادته كانت قبل الرؤيا بذبحه فحبذا لو قال: لما أمرّ على حلقه السكين فلم يقل إلا خيرا فقال الله تعالى وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ الآية ١٠٧.
[٣] - جعفر بن محمد بن الأشعث من ولاة الرشيد على خراسان.
[٤] - الحديث صحيح، رواه الإمام أحمد ج ٦/ ١٨١ و غيره الكثير و زاد فيه( إلا الحدود) أي( إلا في الحدود) و معنى أقيلوا عثراتهم: أي أقيلوا زلاتهم.