سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٨١ - و أما القسم الثاني و هو الصبر على ما فات إدراكه
و قال الجنيد[١]: المسير من الدنيا سهل هيّن على المؤمن، و هجر الخلق في جنب الله شديد، و المسير من النفس إلى الله شديد، و الصبر مع الله تعالى شديد. و سئل عن الصبر فقال: تجرّع المرارة من غير تعبيس.
و كان حبيب ابن أبي حبيب[٢] إذا قرأ هذه الآية: إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٤٤] بكى، ثم قال: وا عجباه، أعطى و أثنى.
و قال الخوّاص[٣]: الصبر: الثبات على أحكام الكتاب و السنة.
و قال عبد الواحد بن زيد[٤]: من نوى الصبر على طاعة الله تعالى، صبّره الله تعالى عليها و قوّاه، و من عزم على الصبر عن معصية الله تعالى، أعانه الله تعالى و عصمه منها.
و قال عمر بن عبد العزيز: للقاسم بن محمد[٥]، أوصني: فقال القاسم:
عليك بالصبر في مواطن الصبر.
و قال الحسن: الصبر صبران: صبر عند المصيبة، و صبر عما نهى الله عنه، و هو الأفضل، و إنما يختلف الصبر بالخوف و الرجاء، فإن من خاف شيئا صبر على الفرار منه، و صبر عند الكراهية لما يحذر من ضرره، و من رجا شيئا صبر على طلبه ليظفر به.
و أما القسم الثاني: و هو: الصبر على ما فات إدراكه
من مسرّة أو تقضّت أوقاته من مصيبة: فإنه يتعجّل به الرّاحة مع اكتساب المثوبة، فإن صبر طائعا استراح و أحرز الثواب، و إن لم يصبر حمل الهمّ و الوزر.
[١] - الجنيد بن محمد النهاوندى، الفقيه الزاهد و صاحب الطريقة الجنيدية، توفى سنة ٢٩٧ ه.
( الأعلام ٢/ ١٤١).
[٢] - حبيب بن أبى حبيب أبو عمرو البجلى البصرى، نزيل الكوفة، روى له الترمذى، قال الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين: صدوق يخطئ و ذكر عنه ما ذكره الشيخ الطرطوشى هنا( انظر ج ١١/ ١٣).
[٣] - سليمان الخواص: من العابدين الكبار، ذكره الأوزاعى من الزهّاد، و قال سعيد:« ما رأيت أزهد من سليمان الخواص»، و قال: لو كان فى السلف لكان علامة( حلية الأولياء ٨/ ٢٧٦، ٢٧٧).
\* و ممن حمل لقب الخواص أيضا« إبراهيم بن أحمد الخواص» و هو صوفى من أقران الجنيد النهاوندى، توفى سنة ٢٩١ ه.
[٤] - عبد الواحد بن زيد الزاهد و شيخ العباد و سبقت ترجمته.
[٥] - القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة فى المدينة، ولد فيها و توفى بقديد( بين مكة و المدينة) حاجّا أو معتمرا، كان صالحا ثقة من سادات التابعين بل و من أفضل أهل زمانه، توفى سنة ١٠٧ ه.( الأعلام ٥/ ١٨١).