سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٤ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
و قال الحسن: كنا نعدّ البخيل، من يقرض أخاه الدرهم.
و من عجائب ما روي في الإيثار: ما ذكره أبو محمد الأزدي، قال: لما احترق المسجد بمصر، و ظن المسلمون أن النصارى أحرقوه، فأحرقوا خانا لهم، فقبض السلطان جماعة من الذين أحرقوا الخان، و كتب رقاعا فيها القتل و فيها القطع، و فيها الجلد، و نثرها عليهم، فمن وقعت عليه رقعة، فعل به ما فيها، فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل، فقال: ما كنت أبالي لو لا أم لي، و كان بجانبه بعض الفتيان، فقال له: في رقعتي الجلد و ليست لي أم، فادفع إلي رقعتك و خذ رقعتي فقتل ذاك، و تخلص هذا.
و حكي أن أبا العباس الأنطاكي[١]، اجتمع عنده نيف و ثمانون رجلا، بقرية بقرب الرّي[٢] و لهم أرغفة لم تسع[٣] جميعهم، فكسروا الرغفان، و أطفئوا السراج، و جلسوا للطعام إلى أن كفوا، فلما رفع، إذا الطعام بحاله، لم يأكل منه واحد منهم، إيثارا لصاحبه على نفسه.
و روي أنه اجتمع بالرّملة[٤] جماعة من أرباب القلوب، فحضر طبق فيه تين أخضر، و قد غسق الليل[٥] فكان الواحد يمد يده، فإذا ظفر بحبة حصرم[٦] يأكلها، و إن ظفر بطيب دفعه إلى صاحبه و لم يأكله، فلما رفع الطبق، إذا الطيب كله في الطبق لم يأكلوا منه شيئا.
و قال بعض الرواة: دخلت على بشر الحافي[٧] في يوم شديد البرد، و قد تعرّى من الثياب، فقلت: يا أبا نصر، الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم و أنت تنقص؟ فقال: ذكرت الفقراء و ما هم فيه، و لم يكن لي ما أواسيهم به، فاردت أن أرافقهم بنفسي في مقاساة البرد.
[١] - أبو العباس الأنطاكي: مؤرخ من أهل أنطاكية له« ذيل التاريخ» توفي سنة ٤٥٨ ه.
[٢] - الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد و أعلام المدن كثيرة الفواكه و الخيرات قبل أنه لم يكن بعد بغداد أعمر منها تبعد عن نيسابور ١٦٠ فرسخا زاد المهدي في عمارتها منذ خلافة المنصور فجعل حولها خندقا و بني فيها المسجد الجامع.
[٣] - أرغفه لم تسع جميعهم: أي لم تكن تكفيهم.
[٤] - الرملة: مدينة عظيمة في فلسطين شمال شرق القدس.
[٥] - غسق الليل: أظلم.
[٦] - الحصرم: ثمار غير ناضجة و الطيب الثمار الناضجة.
[٧] - بشر الحافي: بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن من كبار الصالحين له في الزهد و الورع أخبار و هو من ثقات رجال الحديث من أهل مرو قال المأمون لم يبق في هذه الكورة أحد يستحى منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث توفي سنة ٢٢٧ ه.( الأعلام ٢/ ٥٤).