سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٧٤ - الباب الثالث عشر فى الصفات الراتبة التى زعم الحلماء أنها لا تدوم معها مملكة
و قالت الحكماء: خراب البلاد و فساد العباد، مقرونان بإبطال الوعد و الوعيد من الملوك.
و الكذب أسقط الأخلاق، و أغلب شيء على صاحبه، و أحرى أن لا ينزع عنه لضراوته. و قيل لأعرابى: لم لم تكذب؟ قال: لو تعزّزت به[١] ما تركته.
و هو نوع من الفحش، و ضرب من الدناءة، و أصله استعذاب المنى، و هو أضغاث فكر الحمقى، و من بليته: أنه يحمل على صاحبه ذنب غيره، فإذا سمعت بكذبة طائحة نسبت إليه.
قال الشاعر:
|
حسب الكذوب من المها |
نة بعض ما يحكى عليه |
|
|
و إذا سمعت بكذبة |
من غيره نسبت إليه |
|
و قال غيره[٢]:
|
لي حيلة فيمن ينمّ |
و ليس فى الكذّاب حيلة |
|
|
من كان يخلق ما يقو |
ل فحيلتى فيه قليلة |
|
و قال الله تعالى: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ [النحل: ١٠٥].
و أما الحسد: فإنه إذا كان حسودا لم يشرّف أحدا، و إذا ضاعت الأشراف هلكت الأتباع، و لا يصلح الناس إلا على أشرافهم.
قال الشاعر:
|
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم |
و لا سراة إذا جهّالهم سادوا |
|
و أما البخل: فإذا كان بخيلا لم يناصحه أحد، و لا تصلح الولاية إلا بالمناصحة، و ليس للملك أن يبخل، لأن بيوت الأموال فى يديه.
و أما الجبن: فإذا كان جبانا اجترأ عليه عدوه و ضاعت ثغوره.
و إذا كان حديدا غضوبا[٣]، و القدرة من ورائه هلكت رعيته، و ليس للملك أن يغضب، لأن القدرة وراء حاجته.
[١] - تعززت به: أى صرت عزيزا به.
[٢] - نسب الأبشيهي هذه الأبيات لشاعر اسمه:« محمود بن أبي الجنود»( انظر: المستطرف في كل فن مستظرف ٢/ ١٧).
[٣] - من الحدة و الغضب.