سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٤٥ - الباب الخامس فى فضل الولاة و القضاة إذا عدلوا
و قال سفيان الثورى[١] لأبى جعفر المنصور[٢]: «إنى لأعلم رجلا، إن صلح صلحت الأمّة «قال: و من هو؟ قال: «أنت».
و قال ابن عباس[٣]: «إنّ ملكا من الملوك، خرج يسير فى مملكته مستخفيا، فنزل على رجل له بقرة، فراحت البقرة[٤]، فحلبت له قدر حلاب ثلاثين بقرة، فعجب الملك لذلك، و حدّث نفسه بأخذها، فلما راحت عليه من الغد، حلبت على النّصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلابها نقص؟ أرعت فى أرض غير مرعاها بالأمس؟ قال: لا، و لكن أظنّ ملكنا همّ بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم، أو همّ بالظلم، ذهبت البركة، فعاهد الملك الله سبحانه فى نفسه، أن لا يأخذها، فراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة، فتاب الملك، و عاهد ربه لأعدلنّ ما بقيت».
و من المشهور فى أرض المغرب، أن السلطان بلغه، أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو، و إنّ قصبة منها تعصر قدحا، فعزم على أخذها منها، ثم أتاها و سألها عن ذلك، فقالت: نعم، ثم عصرت قصبة فلم تبلغ نصف قدح، فقال لها: أين الذى كان يقال، فقالت: هو الذى بلغك، إلّا أن يكون السّلطان قد عزم على أخذها منى فارتفعت بركتها، فتاب السلطان و أخلص لله فى نيته، أن لا يأخذها ابدا، ثم أمرها فعصرت فجاءت ملء القدح.
و حدثنى بعض الشيوخ ممن كان يروى الأخبار بمصر، قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب[٥] تمرا، و لم يكن فى ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان، فلم تحمل فى ذلك العام شيئا، و لا تمرة واحدة.
قال لى شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة فى الغربية، تجنى عشرة أرادب، ستين ويبة[٦] و كان صاحبها يبيعها فى سنين الغلاء كلّ ويبة بدينار.
[١] - سفيان الثورى: محدّث و من الأئمة المجتهدين، ولد بالكوفة، و توفى بالبصرة سنة ١٦١ ه.
[٢] - أبو جعفر المنصور: الخليفة العباسى الثانى، سبقت ترجمته.
[٣] - ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله( صلى اللّه عليه و سلم)، حبر الأمة و فقيهها و من أفاضل الصحابة، مات بالطائف سنة ٦٨ ه.
[٤] - راحت: أى أوت إلى مراحها و مأواها.
[٥] - الأردب: مكيال ضخم فى مصر يساوى ٢٤ صاعا.
[٦] - الويبة: تعادل اثنان و عشرون أو أربعة و عشرون مدّا.