سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٤٤ - الباب الخامس فى فضل الولاة و القضاة إذا عدلوا
و بهذا تبيّن لك أن الوالي مأجور على ما يتعاطاه، من إقامة العدل، و مأجور على ما يتعاطاه الناس بسببه، و إذا جار السلطان انتشر الجور فى البلاد، و عمّ العباد، فرقّت أديانهم، و اضمحلّت مروءاتهم، ففشت فيهم المعاصى، و ذهبت أماناتهم، فضعفت النفوس، و قنطت القلوب، فمنعوا الحقوق، و تعاطوا الباطل، و بخسوا المكيال و الميزان، و جوّزوا البهرج[١]، فرفعت منهم البركة، و أمسكت السّماء غيثها، و لم تخرج الأرض زرعها و نباتها، فقلّ فى أيديهم الحطام، فقنطوا و أمسكوا الفضل الموجود، و تناحروا على المفقود، فمنعوا الزكاة المفروضة، و بخلوا بالمواساة المسنونة، و قبضوا أيديهم عن المكارم، و تنازعوا المقدار اللّطيف، و تجاحدوا القدر الخسيس، ففشت فيهم الأيمان الكاذبة، و الختل[٢] فى البيع، و الخداع فى المعاملة، و المكر و الحيل فى القضاء و الاقتضاء، و لا يمنعهم من السرقة إلا العار، و من الزنا إلا الحياء، فيظلّ أحدهم عاريا عن محاسن دينه، و متجرّدا عن جلباب مروءته، و أكثر همّه قوت دنياه، و أعظم مسرّاته أكله من هذا الحطام، و من عاش كذلك، فبطن الأرض خير له من ظاهرها.
قال وهب بن منبّه[٣]: «إذا همّ الوالي بالجور، أو عمل به، أدخل الله النّقص فى أهل مملكته: فى الأسواق، و الزرع، و الضرع، و كلّ شيء، و إذا همّ بالخير و العدل، أو عمل به، أدخل الله البركة فى أهل مملكته كذلك».
و قال عمر بن عبد العزيز[٤]: «تهلك العامّة بعمل الخاصّة، و لا تهلك الخاصّة بعمل العامّة»، و الخاصة: هم الولاة.
و فى هذا المعنى قال الله سبحانه و تعالى: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥].
و قال الوليد بن هشام[٥]: «إنّ الرعيّة لتفسد بفساد الوالي، و تصلح بصلاحه».
[١] - البهرج: الباطل و الردىء و الزائف.
[٢] - الختل: الغش و الخداع.
[٣] - وهب بن منبه: التابعى المؤرخ، سبق ترجمته.
[٤] - عمر بن عبد العزيز: الخليفة الأموى العادل، سبقت ترجمته.
[٥] - هو الوليد بن هشام المعيطى، من رواة الحديث الثقات، روى عنه الأوزاعى و غيره.