سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٥٥ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
و أخبرنى شيخ مسنّ، ممن كان يصحب العلماء بالقيروان[١] يقال له (جرير) قال: أخبرنى عبد الكافى الديباجى قال: رأيت بالقيروان آية عظيمة، و ذلك أن رجلا جاء بصبىّ له، و قد أسكت فلا يتكلم، فدخل به إلى الفقية أبى بكر بن عبد الرحمن، و قال له: إنّ ابنى هذا قد أسكت منذ أيام فلا يتكلم، فأدع الله أن يفرّج ما نزل به، قال: فدعا الشيخ ساعة، ثم مسح وجه الصبى، فاستفاق الصبى، فقال له: قل لا إله إلا الله، فقال الصبى: (أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله) ثم التفت إلى الرجل، و قال: اكتمها علىّ إلى الموت، ثم التفت إلى جاريته، فقال: اكتمى علىّ هذا إلى الموت، و أنت حرة، فلما كان يوم توفى الشيخ أبو بكر، و اجتمع الناس لجنازته، و تكاثرت الأمم، قام رجل فاستنصت الناس، فسكتوا، فقال: يا أهل القيروان: اسمعوا قصتى مع هذا الشيخ، و ذكر الحديث كما سقناه.
و حدثنى هذا الشيخ قال: نزلت[٢] عندنا بالقيروان قصة، لم يسمع فى السالفين مثلها، و ذلك: أن بعض الجزّارين أضجع كبشا ليذبحه، فتخبط بين يديه، فأفلت منه و ذهب، فقام الجزار يطلبه، و جعل يمشى إلى أن دخل خربة[٣] فإذا فيها رجل مذبوح يتخبّط فى دمه، ففزع و خرج هاربا، و إذا صاحب الشرطة و الرجّالة عندهم خبر القتيل، و جعلوا يطلبون خبر القاتل و المقتول، فأصابوه بيده السكين و هو ملوث بالدم، و الرجل مقتول بالخربة، فقبضوه و حملوه إلى السلطان، فقال له: أنت قتلت الرجل؟ قال نعم، فما زالوا يستنطقونه، و هو يعترف اعترافا لا إشكال فيه، فأمر به السلطان ليقتل فأخرج للقتل، و اجتمع الأمم ليبصروا قتله، فلما همّوا بقتله اندفع رجل من الحلقة المجتمعين، فقال لهم: لا تقتلوه، أنا قاتل القتيل، فقبض و حمل إلى السلطان، فاعترف و قال: أنا قتلته، فقال له السلطان: قد كنت معافى من هذا، فما حملك على الاعتراف؟ قال: رأيت هذا الرجل يقتل ظلما، فكرهت أن ألقى الله تعالى بدم رجلين، فأمر به السلطان فقتل، ثم قالوا للرجل: يا
[١] - القيروان: مدينة تونسية بناها القائد المسلم عقبة بن نافع سنة ٥٠ ه. كانت عاصمة الأغالبة ثم للفاطميين بالإضافة إلى المهدية.
[٢] - نزلت: حدثت.
[٣] - الخربة: الأرض الخراب عكس العمار.