سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٥٤ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
بصقلية أيام فتن العدوّ، فزحف إلينا فى البحر سفن تقارب ثلاثمائة سفينة، و أرست فى الساحل، فرأينا أمرا مهولا، و فينا الشيخ الصالح العابد ابن المستطارى، فلجأ الناس إليه، و استجمعوا حوله يتبركون به، و ينتظرون الفرج على يديه. قال: فنظر إلى السماء حينا، و سجد، و عفر خديه بالأرض يقلبهما يمينا و شمالا، قال: فو الله ما ذهبنا حتى هبّت ريح، مزقتها كل ممزق، فلم يجتمع منها اثنان.
و أخبرنى: أبو القاسم بن فاتك رحمه الله تعالى قال: كنت فى طريق الحجاز، فعطش الناس فى مفازة[١] تبوك، ففقد الماء و لم يوجد إلا عند صاحب لى جمّال، فجعل يبيعه بالدنانير بأرفع الأثمان، فجاء رجل كان موسوما بالصلاح عليه مقطّعة[٢]، يحمل ركوة[٣]، و معه شيء من دقيق، فتشفع بى إلى الجمّال، ليبيعه الماء بذلك الدقيق، فكلّمته فأبى علىّ، ثم عاودته فأبى، قال: فبسط الرجل النّطع[٤] فى الأرض، و نثر عليه الدقيق، ثم رمق السماء و قال: إلهى أنا عبدك، و هذا دقيقك و لا أملك غيره، و قد أبى أن يقبله، ثم ضرب بيده فى النّطع، و قال: (و عزّتك لا برحت حتى أشرب) فو الله ما تفرّقنا حتى نشأ السحاب، فأمطر للحين، فشرب الماء و لم يبرح، فكان كما قال النبى صلى اللّه عليه و سلم: «ربّ أشعث أغبر ذى طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرّه»[٥].
[١] - المفازة: الفلاة لا ماء فيها، و قيل سميت مفازة لأنها مظنة الموت فمن خرج منها و قطعها فقد فاز. و تبوك واحة فى الحجاز اشتهرت بغزوة النبى صلى اللّه عليه و سلم سنة ٩ ه.
[٢] - المقطعة: أى يلبس قطعة من جلد بالية و قديمة و ممزقة.
[٣] - الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه.
[٤] - النطع: القطعة من الجلد التى كان يلبسها الرجل.
[٥] - الحديث صحيح رواه الحاكم فى المستدرك و أبو نعيم فى الحلية عن أبى هريرة بلفظ( رب أشعث أغبر و ذى كمرين تنبو عن أعين الناس ... الحديث) و رواه البزار عن ابن مسعود( لا يؤبه له ...) و رواه مسلم فى صحيحه برقم ٢٦٢٢ فى كتاب البر و الصلة باب فضل الضعفاء و الخاملين عن أبى هريرة( رب أشعث مدفوع الأبواب ... الحديث) و- الجامع الصغير رقم ٤٤٠١، ٤٤٠٢)، و معنى أشعث: أى متلبد الشعر لا يدهنه و لا يرجله و لا يكثر غسله. ذو الطمرين: من أثوابه خلقة بالية ممزقة. مدفوع الأبواب: أى تحجب عنه الأبواب لحقارته بأعين الناس و لا يؤبه له. لو أقسم على الله لأبره: أى لو حلف على وقوع شيء لأوقعه الله له إكراما له بإجابة سؤاله.