سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣١٩ - الباب السابع و الثلاثون فى بيان الخصلة التى فيها ملجأ الملوك عند الشدائد، و معقل السلاطين عند اضطراب الأمور و تغير الوجوه و الأحوال
بالمواعيد الكريمة، و المراتب السّنيّة[١] و الولايات المشاكلة[٢] ففعل ذلك، و حطّ عن أهل خراسان ربع الخراج، فمالت وجوه الخلائق إليه، و كانوا يقولون: ابن اختنا، و ابن عم نبينا ٧، و انقاد إليه رافع بن الليث[٣]، و كان من عظماء الملوك بخراسان.
و يدخل تحت هذه الترجمة، أمر اتفق عليه حكماء العرب و الروم و الفرس و الهند، و هو: ان تصطنع وجوه كلّ قبيلة، و المتقدّمين من كل عشيرة، و تحسن إلى حملة القرآن و العلم و حفّاظ الشريعة، و تدنى مجالسهم، و تقرّب الصالحين و المتزهدين، و كلّ متمسّك بعروة الدين، و كذلك فليفعل بالأشراف من كل قبيلة، و الرؤساء المتبوعين من كل نمط، فهؤلاء هم أزمّة[٤] الخلق، و بهم يملك من سواهم فمن كمال السياسة و الرئاسة: أن تبقى على كل ذى رئاسة رئاسته، و على كل ذى عزّ عزّته، و على كل ذى منزل منزلته، فحينئذ يكون الرؤساء لك أعوانا، و من دانت له الفضلاء من كل قبيلة، فأخلق به أن يدوم سلطانه.
و العامّة و الاتباع دون مقدميهم و ساداتهم و اتباعهم، أجساد بلا رءوس، و أشباح بلا أرواح، و لمّا قامت العامة على السلطان بقرطبة و لبسوا السلاح، كان شيخ جالس على كيره[٥] يعالج صنعته، فقال: ما بال الناس؟ قالوا:
قامت العامّة على السلطان، قال: و لهم رأس؟ قالوا: لا، قال: (شقّ الكير يا صبىّ)[٦] فذهبت مثلا.
[١] - المراتب السنية: العالية الكريمة.
[٢] - الولايات المشاكلة و ذات الشواكل هى الجانبية التى تتشعب منها طرق عديدة.
[٣] - رافع بن الليث: هو رافع بن الليث بن نصر بن سيّار، قائد عباسى، خلع طاعة الرشيد فى سمرقند سنة ١٨٩ ه و استولى عليها ثم توجه لقتال الرشيد فانهزم و ضعف أمره، ثم استماله المأمون و قتله سنة ١٩٥ ه
[٤] - أزمة الخلق: أى قادتهم يقال: فلان زمام قومه: أى مقدمهم و صاحب أمرهم.
[٥] - الكير: جلد غليظ يستعمله الحداد لإشعال النار و نفخها.
[٦] - كناية عن تفرق جمعهم أو كلمتهم.