سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦١ - و العدل ينقسم قسمين
و العدل ينقسم قسمين:
قسم: إلهى جاءت به الرّسل و الأنبياء :، عن الله تعالى، و الثانى: ما يشبه العدل و هو السياسة الإصلاحية التى هرم عليها الكبير، و نشأ عليها الصغير، و بعيد أن يبقى سلطان أو تستقيم رعية فى حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم، و لا ترتيب للأمور ثابت، فذلك ما لا يجوز و لا يمكن.
و قد ذكرنا فى أول الكتاب: أنّ سليمان بن داود- ٨- سلب ملكه، حين جلس الخصمان بين يديه، و كان لأحدهما خاصة بسليمان، فقال فى نفسه: وددت أن يكون الحقّ لخاصّتى، فأقضى له، فسلبه الله تعالى ملكه، و قعد الشيطان على كرسيّه.
فاجعل العدل رأس سياستك، فتسقط عنك جميع الآفات المفسدة للسياسة، و تقوم لك جميع الشرائط التى تقوم بها المملكة.
قال عليّ بن أبى طالب رضى الله عنه: إمام عادل خير من مطر وابل[١]، و أسد حطوم[٢] خير من سلطان ظلوم، و سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم.
و قال ابن مسعود: إذا كان الإمام عادلا، فله الأجر و عليك الشكر، و إن كان جائرا، فعليه الوزر و عليك الصبر.
و قال سليمان بن داود ٨، الرحمة و العدل يحرزان الملك.
و اتفق حكماء العرب و العجم على هذه الكلمات، فقالوا: الملك بناء و الجند أساسه، فإذا قوي الأساس دام البناء، و إن ضعف الأساس انهار البناء، فلا سلطان إلا بجند و لا جند إلا بمال، و لا مال إلا بجباية، و لا جباية إلا بعمارة، و لا عمارة إلا بعدل، فصار العدل أساسا لسائر الأساسات.
فأما العدل النبوى (فجملة القول فيه)[٣]: أن يجمع السلطان إلى نفسه حملة العلم، الذين هم حفّاظه و رعاته و فقهاؤه، و هم الأدلّاء على الله تعالى، و القائمون بأمر الله، و الحافظون لحدود الله، و الناصحون لعباد الله.
و روى أبو هريرة أن النبى صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن الدين النّصيحة، إن الدين
[١] - المطر الوابل: المطر الشديد.
[٢] - الأسد الحطوم: الشديد القوة، من أسماء الأسد« المحطم» لأنه يحطم كل شيء يأتى عليه.
[٣] - سقطت من( ط).