سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٣ - و العدل ينقسم قسمين
و قد وقّع المأمون[١] فى قصة متظلّم، من عمرو بن مسعدة[٢]: (يا عمرو، اعمر نعمتك بالعدل، فإن الجور يهدمها) و فى إشاعة العدل قوّة القلب، و طيبة النفس، و لزوم اليقين، و أمان من العدوّ.
و لما استأذن الهرمزان[٣] على عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لم يجد عنده حاجبا و لا بوابا، فقيل له: هو فى المسجد، فأتى المسجد، فوجده مستلقيا، متوسدا كوما من الحصباء، و درّته بين يديه، فقال له: عدلت فأمنت فنمت.
و قال الحسن: رأيت عثمان بن عفان رضى الله عنه، و قد جمع الحصباء فى مسجد النبى علية السلام عند رأسه، و قد وضع أحد جانبى ردائه عليه- و هو يومئذ أمير المؤمنين- ما عنده أحد من الناس، و درّته بين يديه.
و كتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز، أن مدينة حمص قد تهدمت، و احتاجت إلى إصلاح، فكتب إليه عمر: حصّنها بالعدل، و نقّ طرقها من الجور، و السلام.
و قالت الحكماء: من حرم العدل فلا خير فيه، و لا خير[٤] للنّاس فى سلطانه.
و قال يحيى بن أكثم[٥]: ما شيت المأمون فى بستان، و الشمس عن يسارى
[١] - المأمون: المأمون بن هارون الرشيد الخليفة العباسى السابع، قتل أخاه الأمين و خلفه، ثم خلفه أخوه المعتصم، توفى سنة ٢١٨ ه، و قد سبقت ترجمته( الأعلام ٤/ ١٤٢).
[٢] - عمرو بن مسعدة: هو وزير المأمون، و من أبلغ كتّابه، كان يوقع بين يدى جعفر البرمكى أيام الرشيد و اتصل بالمأمون فرفع مكانته، كان جوادا نبيلا، توفى سنة ٢١٥ ه( الأعلام ٥/ ٨٦).
[٣] - الهرمزان: من ملوك الفرس و أمراء الجيش الفارسى، قاوم المسلمين و انهزم فى معركة القادسية سنة ١٤ ه، و جيء به أسيرا إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه، و لم يجدوه فى بيته بل فى المسجد نائما متوسدا الحصباء ... و لما أسلم سمّاه عمر رضى الله عنه« عرفطة»؛ و لما قتل عمر بن الخطاب على يد أبى لؤلؤة المجوسي جرد عبيد الله بن عمر سيفه و قتله مع اثنين من الأعاجم هما بنت أبى لؤلؤة و رجل يقال له« جفينة».( انظر المعارف لابن قتيبة ١٨٧ و ٤٢١).
[٤] - سقطت من( ط).
[٥] - يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي الأسيدي، قاض رفيع القدر عالي الشهرة يتصل نسبه بأكثم بن صيفى حكيم العرب، اتصل بالمأمون فاستولى على قلبه، فولّاه البصرة، ثم قضاء القضاة ببغداد، و أضاف إليه تدبير مملكته فكان وزراء الدولة لا يقدمون شيئا إلا بعد عرضه عليه، أخباره كثيرة جدا، توفى بالربذة سنة ٢٤٢ ه( الأعلام ٨/ ١٣٨، وفيات الأعيان ٦/ ١٤٧).