سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٣ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
ثم قاموا منصرفين، فلم يكادوا يبلغوا باب القصر إلّا و الرسل تناديهم، فأدخلوا القصر، فتلقاهم الوزراء بالإعظام، و رفعوا منازلهم، فاعتذروا إليهم مما كان من صاحبهم، و قالوا لهم: أمير المؤمنين يعتذر إليكم من فرط موجدته[١]، و يستجير بالله من الشيطان الرجيم و نزغته[٢] التي حملته على الجفاء عليكم، و يعلمكم أنّه نادم على ما كان منه إليكم، و هو مستبصر في تعظيمكم، و قضاء حقوقكم، و قد أمر لكل واحد منكم بما ترون من صلته و كسوته علامة لرضاه عنكم. فدعوا له و قبضوا ما أمر لهم، و انصرفوا غالبين لم يمسسهم سوء.
و لما نظر مالك بن دينار[٣] إلى المهلّب بن أبي صفرة[٤]، يجرّ أذياله و يتبختر في أثواب خيلائه، ناداه أن ارفع من ثيابك، فقال له المهلب: أ و ما تعرفني؟ قال له مالك: بلى إني أعرفك، أوّلك نطفة مذرة[٥]، و آخرك جيفة قذرة، و أنت فيما بين ذلك تحمل العذرة[٦].
و يروى أن رجلا قال لعبيد الله العمري[٧]: هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى، فقال له: لا جزاك الله عني خيرا، كلّفتني أمرا كنت عنه غنيا.
ثم جاء إليه، فقال له: يا هارون؛ فلمّا نظر إليه، قال: لبيك يا عمّ؛ قال: كم ترى هاهنا من خلق الله؟ فقال: لا يحصيهم إلا الله عز و جل، فقال: اعلم أيها الرجل أن كلّ واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه، و أنت وحدك تسأل عنهم كلّهم، فانظر كيف تكون؟ قال: فبكى هارون و جلس فجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع، ثم قال له فيما قال: إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه، فكيف فيمن أسرع في مال المسلمين؟ فيقال: إن هارون كان يقول بعد ذلك: إنّي أحب أن أحج في كل عام و ما يمنعني من ذلك إلا عبيد الله العمري.
[١] - وجد وجدا و موجدة: غضب.
[٢] - نزغة الشيطان: تحريشه و إغراؤه.
[٣] - مالك بن دينار: أبو يحيى البصري، من رواه الحديث الثقات، كان عالما ورعا يأكل من كسب يده حيث كان يكتب المصاحف بالأجر، توفى سنة ١٣١ ه.( الأعلام ٥/ ٢٦٠).
[٤] - المهلب بن أبي صفرة: أمير البصرة لمصعب بن الزبير، حارب الخوارج، تولى إمارة خراسان لعبد الملك بن مروان، من القادة الشجعان، توفي سنة ٨٣ ه.( الأعلام ٧/ ٣٥١).
[٥] - نطفة مذرة: النطفة: ماء الرجل أو المرأة، و مذرة: أي قذرة و فاسدة.
[٦] - تحمل العذرة: أي الغائط أو أردأ ما يخرج من الطعام.
[٧] - عبيد الله العمري: نسبة إلى عمر بن الخطاب، و هو من الزهاد الصالحين.