سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١١ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
الحال. قال: فإن كان له خصمان ألدّان؟ قال: فهو أسوأ حالا. قال: فإن كانوا ثلاثة؟ قال: لا يهنئه عيش. قال: فو الله ما من أحد من أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم إلا و هو خصمك. قال: فبكى [حتى غشي عليه][١] و حتى تمنّيت أن لا أكون قلت له ذلك.
و قال محمد بن كعب[٢] لعمر بن عبد العزيز، يا أمير المؤمنين: إنما الدنيا سوق، فمنها خرج الناس بما ربحوا فيها لآخرتهم، و خرجوا بما يضرّهم، فكم من قوم غرّهم مثل الذي أصبحنا فيه، حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا مرملين[٣]، لم يأخذوا من الدنيا للآخرة، فاقتسم مالهم من لا يحمدهم، و صاروا إلى من لا يعذرهم، فانظر إلى الذي تحب أن يكون معك، فقدّمه بين يديك حتى تخرج إليه، و انظر إلى الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت، فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، و لا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على غيرك، ترجو جوازها عنك. يا أمير المؤمنين: افتح الأبواب و سهّل الحجاب، و انصر المظلوم.
و حضر رجل بين يدي بعض الملوك، فأغلظ له السلطان، فقال له الرجل:
إنّما أنت كالسماء، إذا أرعدت و أبرقت فقد قرب خيرها. فسكن غيظه، و أحسن إليه.
و لما احتاج المنصور بن أبي عامر[٤] ملك الأندلس، أن يأخذ أرضا محبسة[٥]، و يعاوض عنها خيرا منها، استحضر الفقهاء في قصره، فأفتوا بأنّه لا يجوز، فغضب السلطان، و أرسل إليهم رجلا من الوزراء مشهورا بالحدّة و العجلة، فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: يا مشيخة السوء يا مستحلي أموال الناس، يا آكلي أموال اليتامى ظلما، يا شهداء الزور، يا آخذي الرّشا، و متلفي الخصوم، و ملقّحي الشرور[٦]، و ملبسي الأمور، و ملتمسي الروايات لاتّباع الشهوات، تبّا لكم و لآرائكم، فهو- أعزه الله- واقف على فسوقكم قديما، و خونكم لأماناتكم، مغض عنه، صابر عليه، ثم احتاج إلى دقّة نظركم
[١] -( حتى غشي عليه) سقطت من( ط).
[٢] - هو محمد بن كعب القرظي: سبقت ترجمته.
[٣] - أرمل القوم: نفذ زادهم و افتقروا.
[٤] - المنصور بن أبي عامر: محمد بن عبد الله بن عامر، أمير الأندلس، استقل بأمور الدولة لمدة ٢٦ سنة، أنشأ المدينة الزاهرة، قتل في إحدى غزواته سنة ٣٩٢ ه، خلفه ابنه عبد الملك.( الأعلام ٦/ ٢٢٦).
[٥] - الأرض المحبسة: الأرض الموقوفة لوجه الله تعالى.
[٦] - ملقّح الشّرّ: مثيره و مسبّبه.