سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٠ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و دخل بعض العقلاء على سلطان، فقال له: إن أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، و أولاهم بالإنصاف من بسط يديه بالقدرة، فاستدم ما أوتيت من النّعم بتأدية ما عليك من الحق.
و روي أن أعرابيا قام بين يدي هشام بن عبد الملك[١]، فقال: أيّها الأمير، أتت على الناس سنون ثلاث، أما الأولى: فأكلت اللحم، و أما الثانية: فأذابت الشحم، و أما الثالثة: فهاضت[٢] العظم، و عندك فضول أموال، فإن كانت لله فأقسمها بين عباده، و إن كانت لهم فلم تحصرها عليهم؟ و إن كانت لكم فتصدّقوا فإنّ الله يجزي المتصدّقين.
فأمر هشام بمال فقسّم بين الناس، و أمر للأعرابيّ بمال، فقال: أ لكل المسلمين منك مثل هذا؟ قال: لا يقوم بذلك بيت المال. قال: لا حاجة لي فيما يبعث لأئمّة الناس على أمير المؤمنين.
و قال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، اذكر لمقامي هذا مقاما لا يشغل الله عز و جل عنك، كثرة من يخاصم من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، و لا براءة من الذنب[٣]. فبكى عمر بكاء شديدا، ثم استرده الكلام[٤]، فجعل يردّده و عمر يبكي و ينتحب، ثم قال: ما حاجتك؟ قال: عاملك بأذربيجان أخذ مني اثني عشر ألف درهم، قال: اكتبوا له حتى يرد عليه ماله.
و لما دخل زياد[٥] على عمر بن عبد العزيز، قال: يا زياد، أ لا ترى ما ابتليت به من أمر أمة محمد صلى اللّه عليه و سلم؟ فقال زياد: يا أمير المؤمنين، و الله لو أن شعرة منك نطقت ما بلغت كنه[٦] ما أنت فيه، فاعمل لنفسك في الخروج مما أنت فيه. يا أمير المؤمنين: كيف حال رجل له خصم ألدّ؟ قال: سيّئ
[١] - هشام بن عبد الملك: الخليفة الأموي سبقت ترجمته.
[٢] - هاضت العظم: كسرته أو أضعفته.
[٣] - ذكر ابن كثير في البداية و النهاية( ج ٩/ ص ٢١٨) هذه الحكاية عن رجل من أذربيجان، بلفظ مشابه، فقال:[ يا أمير المؤمنين: اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق يوم تلقاه و بلا ثقة من العمل و لا براءة من الذئب]، كما وردت بألفاظ متقاربة في( تاريخ مدينة دمشق ٤٥/ ٢٠١، ٦٨/ ٢٩٩)، و في( المجالسة و جواهر العلم ١/ ٦٠٤).
[٤] - استرده الكلام: طلب منه أن يردّده.
[٥] - المقصود( زياد العبدي) ذكره ابن كثير في البداية و النهاية( ج ٩/ ٢١٨)، و قال: قال له زياد العبدي- و بلفظ مشابه- قال:[ لو أن شعرة فيك نطقت بحمد الله و شكره و الثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه].
[٦] - كنه الشيء: حقيقته.