سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٢ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
في حاجة مرة واحدة في دهره، فلم تسعفوا إرادته، ما كان هذا ظنّه بكم، و الله ليعارضنّكم و ليكشفنّ ستوركم، و ليناصحنّ الإسلام فيكم. و أفحش عليهم بهذا و نحوه، فأجابه شيخ منهم ضعيف المنّة[١]. فقال: نتوب إلى الله مما قاله أمير المؤمنين، و نسأله الإقالة[٢]. فرد عليه زعيم القوم، محمد بن إبراهيم بن حيوة[٣] و كان جلدا صارما- فقال للمتكلم: ممّ نتوب يا شيخ السوء؟ نحن برآء من متابك. ثم أقبل على الوزير فقال: يا وزير، بئس المبلّغ أنت، و كل ما نسبته إلينا عن أمير المؤمنين فهو صفتكم معاشر خدمه، فأنتم الذين تأكلون أموال النّاس بالباطل، و تستحلّون ظلمهم بالإخافة و تتحيّفون[٤] معايشهم بالرّشا و المصانعة، و تبغون في الأرض بغير الحق، و أما نحن فليست هذه صفاتنا و لا كرامة، لا يقولها لنا إلا متّهم في الدّيانة، فنحن أعلام الهدى و سرج الظلمة، بنا يتحصّن الإسلام، و يفرّق بين الحلال و الحرام، و تنفّذ الأحكام، و بنا تقام الفرائض، و تثبت الحقوق، و تحقن الدماء، و تستحل الفروج، فهلا إذ عتب علينا سيدنا أمير المؤمنين بشيء لا ذنب لنا فيه، و قال بالغيظ ما قاله، تأتّيت لإبلاغنا رسالته بأهون من إفحاشك[٥]، و عرّضت[٦] لنا بإنكاره حتى فهمناه منك فأجبناك عنه بما يصلح الجواب عنه به، فكنت ترين[٧] على السلطان و لا تفشي سره، و تستحيينا بما استقبلتنا به؟ فنحن نعلم أنّ أمير المؤمنين لا يتمادى على هذا الرأي فينا، و لا يعتقد هذا المعتقد في صفاتنا، و أنه سيراجع بصيرته في إيثارنا و تعزيزنا، فلو كنّا عنده على هذه الحال التي وصفتها عنا- و العياذ بالله من ذلك- لبطل عليه كل ما صنعه و عقده، من أول خلافته إلى هذا الوقت، فما يثبت له كتاب من حرب و لا سلم، و لا شراء و لا بيع، و لا صدقة و لا حبس، و لا هبة و لا عتق، و لا غير ذلك، إلا بشهادتنا، هذا ما عندنا و السلام.
[١] - ضعيف المنة: يقال رجل منين أي ضعيف، كأن الدهر ذهب بمنته أي قوّته.
[٢] - نسأله الإقالة: أي العفو و الصفح و التوبة.
[٣] - في( خ) محمد بن إبراهيم بن حيّويه.
[٤] - الحيف: الجور و الظلم.
[٥] - الإفحاش: القبيح من القول أو الفعل.
[٦] - التعريض: التلميح( عكس التصريح).
[٧] - ترين: تغطي، و هي من الران: الغطاء، و منها قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ. قال الحسن:« هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب».( مختار الصحاح ص ٣٤).