سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٢ - و العدل ينقسم قسمين
النصيحة، إنّ الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول اللّه؟ قال: لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم)[١].
فاتخذ أيها الملك العلماء شعارا، و الصالحين دثارا، فتدور المملكة بين نصائح العلماء، و دعوات الصلحاء، و أخلق بملك يدور بين هاتين الخصلتين، أن تقوم عمده، و يطول أمده، و كيف لا؟ و قد فرقهم الله فى سلطانه، و اصطفاهم بخالص معرفته، فقال جلّ من قال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨]، فبدأ بنفسه، و ثنّى بملائكته، و ثلّث بأولي العلم، و هم ورثة الأنبياء :، الموفّقون عن الله تعالى، لأن الأنبياء لم يورّثوا دينارا و لا درهما، و إنما ورّثوا العلم، ففى تعظيمهم و تقريبهم امتثال لأمر الله تعالى، و تعظيم لمن اثنى عليه، و يجب ترفيع مجالسهم، و تمييز مواضعهم عمن سواهم، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [المجادلة: ١١].
و فيه استمالة قلوب الرعية، و خلوص نيّاتهم لسلطانهم، و اجتماعهم على محبته و توقيره.
فواجب على السلطان أن لا يقطع أمرا دونهم، و لا يفصل حكما إلا بمشاورتهم، لانه فى ملك الله يحكم، و فى شريعته يتصرف.
و أقلّ الواجبات على السلطان: أن ينزل نفسه مع الله منزلة ولاته معه، أ ليس إذا خالف واليه أمره، و ما رسمه له من الأحكام عزله و عاقبه، و لم يأمن سطوته؟ و إذا امتثل أوامره و ازدجر من زواجره، حلّ منه محل الرضا؟ فوا عجبا لمن يغضب على و إليه إذا خالفه، ثم لا يخاف سطوة ربّه عليه إذا خالفه!
فهذه طريق إقامة العدل الشرعى، و السياسة الإسلامية الجامعة لوجوه المصلحة، الآخذة لأزمّة التدبير، و السالمة من العيوب، الممهّدة لاستقامة الدنيا و الدين.
و كما أن الملك الحازم لا يتم حزمه إلا بمشاورة الوزراء و الأخيار، كذلك لا يتمهق عدله إلا باستفتاء العلماء الأبرار.
[١] - رواه الإمام أحمد و مسلم عن تميم الدارى، و رواه النسائى و الترمذى عن أبى هريرة، و الحديث صحيح( الجامع الصغير/ للسيوطى ج ١/ ٧٩، رقم: ١٩٦٨).