سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٦٩ - الباب الثلاثون في الجود و السخاء و هذه الخصلة الجليل قدرها، العظيم موقعها الشريف موردها و مصدرها
آلاف لبعثت بها إليك، فلما خرج من عندها، جاءتها عشرة آلاف من عند خالد بن أسيد، فأرسلت بها في أثره، فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عبّاد المدينة، محمد، و أبو بكر، و عمر بنو المنكدر.
و قال يحيى بن معين[١] كان جرير بن يزيد في دار المطلب[٢]، فجاء إنسان يسأله، فقال للغلام: اذهب إلى الجواري فقل لهن: من أرادت منهن أن تصبغ ثيابها فلتبعث بها، فجاء الغلام بثياب كثيرة، فقال للسائل: خذها.
و قال الأصمعي: كانت جرت حرب بالبادية، ثم اتصلت بالبصرة، فتفاقم الأمر فيها، حتى مشى بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع، قال: فبعثت- و أنا غلام- إلى: ضرار بن القعقاع بن حازم، فاستأذنت عليه، فأذن لي، فإذا هو عليه شملة[٣] يخبط[٤] نوى لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل القصعة، و قال: يا جارية، غدّينا، فأتته بزيت و تمر، قال: فدعاني فقذرته أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله حاجته، وثب إلى طين ملقى في الدار، فغسل به يده، ثم صاح بالجارية، فقال: اسقني ماء، فأتته بماء فشربه، و مسح فضله على وجهه، ثم قال:
الحمد للّه، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النّعم؟ ثم قال: علي بردائي، فأتته برداء عدنيّ، فارتدى به على تلك الشملة.
قال الأصمعي: فتجافيت عنه استقباحا لزيّه، فدخل المسجد و صلى ركعتين، و مشى إلى القوم، فلم تبق حبوة إلا حلّت[٥] إعظاما له، ثم جلس، فتحمل ما كان بين الأحياء من الديات في ماله، و انصرف.
و كان البهلول بن راشد[٦] الفقيه لما سجن يعطي كل يوم السجّان دينارا،
[١] - يحيى بن معين: من أئمة الحديث و مؤرخي رجاله و سيد الحفاظ( كما قال الذهبي) و إمام الجرح و التعديل( كما قال العسقلاني) و أعلمنا بالرجال( كما قال أحمد بن حنبل) قال: كتبت بيدي ألف ألف حديث، و كان أبوه قد خلف له ثروة طائلة أنفقها في طلب الحديث، مات سنة ٢٣٣ ه( الأعلام ٨/ ١٧٢).
[٢] - المطلب بن عبد اللّه الخزاعي: كان واليا حيث ولي أمر مصر للمأمون سنة ١٩٨.
[٣] - الشملة: كساء يلتف به.
[٤] - يخبط: يدقّ.
[٥] - حل الحبوة: كناية عن القيام يقال فلان حل حبوته: أي قام، و عقد حبوته، أي قعد.
[٦] - البهلول بن راشد: من علماء القيروان و زهادها، و أما سبب سجنه: فإن أمير أفريقية في زمانه( محمد العكي) كان يلاطف الطاغية( ملك أسبانيا) فطلب الطاغية من الأمير حديدا و سلاحا و نحاسا، فعزم على ذلك، فلما علم البهلول، عارض العكي، فبعث إليه من قيده و ضربه و حبسه، فبقي أثر السياط في جسمه و كان ذلك سبب موته سنة ١٨٣ ه( الأعلام- الزركلي ٢/ ٧٧).