سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٦ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و روي أن أعرابيا قام بين يدي سليمان بن عبد الملك[١] و قال: يا أمير المؤمنين، إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله إن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته، قال: هات يا أعرابي، قال: سأطلق لساني بما خرست به الألسن، أداء لحق الله و لحقّ أمانتك، إنّك قد اكتنفتك رجال[٢] أساءوا الاختيار لأنفسهم، و ابتاعوا دنياك بدينهم، و رضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، و لم يخافوا الله فيك، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فأعظم الناس غبنا يوم القيامة من باع آخرته بدنيا غيره. فقال له سليمان: أما أنت فقد نصحت، و أرجو أنّ الله سيعيننا على ما قلّدنا، و قد جرّدت لسانك فهو سيفك. فقال: أجل يا أمير المؤمنين، و هو لك لا عليك.
و قال ابن أبي عروبة[٣] حجّ الحجّاج[٤] فنزل بعض المياه بين مكة و المدينة، و دعا بالغداء، و قال لحاجبه: انظر من يتغدّى معي، و اسأله عن بعض الأمر، فنظر نحو الجبل، و إذا براع بين شملتين[٥] نائم، فضربه برجله، و قال له: ائت الأمير، فأتاه، فقال له الحجاج: اغسل يدك و تغدّ معي.
فقال: دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: و من هو؟ قال: الله تعالى دعاني إلى الصيام فصمت، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم، صمت ليوم هو أشدّ منه حرا. قال: فأفطر و صم غدا. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد! قال:
ليس ذلك إليّ. قال: فكيف تسألني عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: لأنه طيب، قال: لم تطيّبه أنت و لا الطّبّاخ، و لكن طيّبته العافية.
و لما حجّ هارون الرشيد[٦] بعث إلى مالك بن أنس[٧] بكيس فيه خمسمائة دينار، فلما قضى نسكه و انصرف و دخل المدينة، بعث إلى مالك بن أنس: أنّ أمير المؤمنين يحب أن تنتقل معه إلى مدينة السلام[٨]، فقال
[١] - سليمان بن عبد الملك: الخليفة الأموي السابع، سبقت ترجمته.
[٢] - اكتنفتك رجال: أي أحاطوا بك.
[٣] - ابن أبي عروبة: سعيد بن مهران بن أبي عروبة، الإمام الحافظ عالم أهل البصرة من المحدثين و أول من جمع السنن النبوية، و القصة موجودة في كتاب[ تاريخ مدينة دمشق ١٢/ ١٢٥، و البداية و النهاية ٩/ ١٢١]، توفي سنة ١٥٦ ه( الأعلام ٣/ ٩٨).
[٤] - الحجاج بن يوسف الثقفي، سبقت ترجمته.
[٥] - الشملة: كساء من صوف أو من شعر، و في( ط) بين سخلتين.
[٦] - هارون الرشيد: الخليفة العباسي السابع، سبقت ترجمته.
[٧] - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، سبقت ترجمته.
[٨] - مدينة السلام: بغداد و قد أسسها المنصور و سماها بذلك.