سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢١ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
فأجيئه فيها، فإن تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه، فلما دفنوا ميّتهم قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك، فلما دنا منه نزل، و نزل من معه، ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت، فقال له بلال: يا أبا يحيى، ذكّرنا. فقال: ما نسيت شيئا فأذكّرك به، قال: فحدّثنا. قال: أمّا هذا فنعم: قدم علينا أمير من قبلك على البصرة، فمات فدفناه في هذه الجبّانة، ثم أتينا بزنجي فدفنّاه إلى جنبه، فو الله ما أدري أيّهما كان أكرم على الله سبحانه. فقال بلال: يا أبا يحيى، أ تدري ما الذي جرّأك علينا، و ما الذي أسكتنا عنك؟ لأنك لم تأكل من دراهمنا شيئا، أما و الله لو أخذت من دراهمنا شيئا ما اجترأت علينا هذه الجرأة.
قال مالك: فأفادني هذا الحديث علما، ألا فاتقوا دراهمهم.
و دخل ابن شهاب[١] على الوليد بن عبد الملك[٢]، فقال: يا ابن شهاب، ما حديث يحدّثنا به أهل الشام؟ قال: و ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدّثونا أنّ الله تبارك و تعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات، و لم يكتب عليه السيئات، قال: كذبوا يا أمير المؤمنين، أ نبيّ خليفة أقرب إلى الله، أم خليفة ليس بنبي؟ قال: بل نبيّ خليفة، قال: فأنا أحدّثك يا أمير المؤمنين بما لا تشك فيه، قال الله تعالى لنبيّه داود:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ [ص: ٢٦]، يا أمير المؤمنين: فهذا وعيد الله لنبيّ خليفة، فما ظنّك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إنّ الناس ليغرّوننا عن ديننا.
و روى زياد[٣] عن مالك بن أنس[٤] قال: بعث إليّ أبو جعفر[٥] و إلى ابن
[١] - ابن شهاب الزهري: سبقت ترجمته( الأعلام ٧/ ٩٧).
[٢] - الوليد بن عبد الملك: الخليفة الأموي السادس، سبقت ترجمته.
[٣] - زياد: هو زياد بن عبد الله بن طفيل العمشي العامري أبو محمد، راوي السيرة النبوية عن محمد بن إسحاق، و عنه رواها عبد الملك بن هشام الذي رتبها و نسبت إليه، توفي سنة ١٨٣ ه.
( الأعلام ٣/ ٥٤).
[٤] - مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، سبقت ترجمته.
[٥] - أبو جعفر المنصور: الخليفة العباسي الثاني، توفي سنة ١٥٨ ه، سبقت ترجمته.