سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢٠ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
الجاهل، فهو الدهر مغموم، و الكريم يحتاج إلى اللئيم، فهو الدهر خاضع له ذليل.
و تضيع أمور الناس: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، و السلاح عند من لا يستعمله، و المال عند من لا ينفقه.
و تتلقّى النعمة من اللّه تعالى: بكثرة شكره و لزوم طاعته، و اجتناب معصيته. فصار تلميذا له إلى أن مات.
و قال يحيى بن سعيد[١]: حج سليمان بن عبد الملك و معه عمر بن عبد العزيز[٢]، فلما أشرفا على عقبة عسفان[٣]، نظر سليمان إلى السّرادقات[٤] قد ضربت له، فقال له: يا عمر، كيف ترى؟ قال: أرى دنيا عريضة يأكل بعضها بعضا، و أنت المسئول عنها، المأخوذ بها. فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادقات سليمان، في منقاره كسرة، فصاح، فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب؟ قال عمر: ما أدري ما يقول، و لكن إن شئت أخبرتك بعلم، قال: أخبرني، قال: هذا غراب طار من سرادقاتك، في منقاره كسرة، أنت بها مأخوذ، و عنها مسئول، من أين دخلت، و من أين خرجت. قال:
إنك لتخبرنا بالعجائب، قال: أ فلا أخبرك بأعجب من هذا؟ قال: بلى. قال: من عرف الله كيف عصاه؟ و من عرف الشيطان كيف أطاعه؟ و من أيقن بالموت كيف يهنيه العيش؟ قال: لقد غثثت علينا ما نحن فيه. ثم ضرب فرسه و سار.
و يروى أن بلال بن أبي بردة[٥]، خرج في جنازة، و هو أمير على البصرة، فنظر إلى جماعة وقوفا، فقال: ما هذا؟ قالوا: مالك بن دينار[٦] يذكّر الناس.
فقال لوصيف معه: اذهب إلى مالك بن دينار فقل له يرتفع إلينا إلى القبر، فجاء الوصيف فأدّى الرسالة إلى مالك، فصاح به مالك: ما لي إليه حاجة
[١] - هو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري، أبو سعيد، من أهل المدينة المنورة، من أكابر رجال الحديث و قاضي مشهور، توفي سنة ١٤٣ ه( الأعلام ٨/ ١٤٧).
[٢] - سليمان بن عبد الملك: الخليفة الأموي السابع، توفي سنة ٩٩ ه. و خلفه عمر بن عبد العزيز، الخليفة العادل، و دامت خلافته حوالي سنتين، و توفي سنة ١٠١ ه. و قد ذكرت هذه الحكاية في( حلية الأولياء ٥/ ٢٧٢).
[٣] - عسفان: قرية جامعة بها مزارع و نخيل، بين الجحفة و مكة على بعد ٣٦ ميلا من مكة المكرمة.
[٤] - السرادقات: مفردها السرادق: و هو الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت.
[٥] - بلال بن عامر، سبقت ترجمته.( الأعلام ٢/ ٧٢).
[٦] - مالك بن دينار، سبقت ترجمته( الأعلام ٥/ ٢٦٠).