سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٨ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
أياما، فاشتد جوعهما، و بلغ الضّرر منهما جهده، فأجمعوا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد، فيدله المقعد على الطريق ببصره، و يستقلّ المقعد بحمل الأعمى، فيدوران فى القرية يستطعمان أهلها، ففعلا، فنجح أمرهما، و لو لم يفعلا هلكا، فكذلك القدر سببه الطلب، و الطلب سببه القدر، و كل واحد منهما معين لصاحبه.
فأخذ (جهيل) فى الطلب، فظفر بأعدائه، و رجع إلى ملكه، فكان (جهيل) يقول: لا تدعنّ الطلب اتكالا على القدر، و لا تجهدن نفسك فى الطلب معتمدا عليه، مستهينا بالقدر، فإنك إذا أجهدت نفسك بالطلب بوجوه التدبير المحمودة، مصدّقا بالقدر، نلت ما تحاول، و لم تلتو عليك الأمور، و إن عملت بذلك، فالتوى عليك أمر من مطلوبك، فذلك من إعاقة القدر[١]، و أنّك قد أتيت ذنبا، فتفقّد جوارحك، و استكشف ظاهرك و باطنك، و تب إلى الله تعالى من كلّ ذنب أتيته بجارحة من جوارحك، و اخرج من كل مظلمة ظلمتها، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ، و ساعدك القدر إن شاء الله تعالى.
و اعلم أن هذا الأصل الذى قررناه يخرّج عليه كل ما ورد فى القرآن، و حديث الرسول صلى اللّه عليه و سلم، من الأمر بالتوكل على الله، و التسليم إليه، و التفويض له.
من ذلك أن سليمان الخواص[٢] تلا يوما قوله تعالى: وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان: ٥٨] فقال: ما ينبغى لعبد بعد هذه الآية، أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى.
قلنا: معناه؛ لا يلجأ إلى الأسباب اعتمادا عليها، و لكن يلجأ إليها واثقا بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، كما أمر النبى صلى اللّه عليه و سلم بعقل الناقة و لبس درعين.
أ لا ترى أن من يطلب الزرع و الولد ثم قعد فى بيته، لم يطأ زوجته و لا بذر أرضه، معتمدا فى ذلك على الله تعالى، واثقا به أن تلد امرأته من غير وقاع، و تنبت أرضه الزرع من غير بذر، كان عن المعقول خارجا، و لأمر الله تاركا.
[١] - في( ط) إعانة القدر.
[٢] - سليمان الخواص: من الزهاد سبقت ترجمته.