سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٩٩ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
و للأئمة و الحكماء فى القدر ألفاظ بارعة على السّبر[١] و الامتحان منها:
ما روى أنّ على بن أبى طالب رضى الله عنه، سئل عن القدر؟ فأعرض عن السائل، فأبى إلا الجواب، فقال عليّ: أخبرني، أخلقك الله كما تشاء، أو كما يشاء؟ فأمسك الرجل. فقال عليّ للحاضرين: أ ترونه يقول: كما أشاء؟
إذا و الله أضرب عنقه. فقال الرجل: كما يشاء، فقال عليّ: أ يحييك كما تشاء، أو كما يشاء؟ فقال: كما يشاء. قال: أ يميتك كما تشاء، أو كما يشاء؟ قال: كما يشاء. قال: أ فيحشرك كما تشاء أو كما يشاء؟ قال: كما يشاء، قال: أ فيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء؟ قال: حيث يشاء. قال: قم فليس لك من الأمر شيء.
و روي أن رجلا قدريا[٢] و مجوسيا[٣] تناظرا، فقال القدريّ للمجوسيّ:
مالك لا تسلم؟ فقال المجوسى: لو أراد تعالى لأسلمت. فقال القدرى: قد أراد اللّه تعالى أن تسلم، و لكن الشيطان يمنعك. قال المجوسى: فأنا مع أقواهما.
و روى فى الإسرائيليات: أن نبيا من أنبياء اللّه تعالى، مر بفخّ منصوب، و إذا طائر قريب منه، فقال الطائر: يا نبيّ اللّه؛ هل رأيت أقلّ عقلا من هذا؟
نصب هذا الفخ ليصيدنى فيه، و أنا أنظر إليه! قال: فذهب عنه. ثم رجع، فإذا الطائر فى الفخ، فقال له: عجبا لك، أ و لست القائل أنفا كذا، و كذا؟ فقال:
يا نبيّ اللّه: إذا جاء الحين[٤] لم يبق أذن و لا عين.
و قال رجل من الخوارج[٥]، لعلى رضى اللّه عنه: أ رأيت من جنّبنى سبل
[١] - السبر: التجربة و الاختيار.
[٢] - القدرية: هم الذين يقولون: إن القدر خيره و شره من العبد لا من الله، فسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها و استقلالها دون الله تعالى، و نفوا أن تكون الأشياء بقدر الله و قضائه. و هؤلاء من ضلالتهم تراهم يضيفون هذا الإسم إلى مخالفيهم من أهل الهوى فيقولون أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر الله، و قد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم( القدرية مجوس هذه الأمة) انظر جامع الأصول فى أحاديث الرسول- ابن الأثير الجزرى ج ١٠/ ١٢٨.
[٣] - المجوس: عبدة الشمس أو النار.
[٤] - جاء الحين: أى جاء الهلاك.
[٥] - الخوارج: من أقدم الفرق الإسلامية الذين خرجوا على عليّ بن أبى طالب رضى الله عنه لأنه رضى بالتحكيم إثر موقعة صفين سنة ٣٧ ه، عسكروا فى حروراء، و من أشهر زعمائهم الضحاك بن قيس و قطرى بن الفحاءة، تفرقوا عدة فرق منها، الازارقة و الاباضية و الصفرية و منهم ابن ملجم الذي قتل على بن أبى طالب رضي الله عنه سنة ٤٠ ه.