سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠١ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
و فى الإسرائيليات: أن الهداهد كانت رائدة[١] سليمان بن داود ٨ إلى الماء، فتتقدم معسكره، ثم تنظر الأرض، فتقول الماء هاهنا، على ألف قامة، أو أقل، او أكثر. فتبادر الجن تحفره، فلا يلحق سليمان إلا و قد استعد الماء.
و اعلموا أن الهارب مما هو مقضى مقدر، كالمتقلب فى كف الطالب.
و أنشد بعضهم:
|
و إذا خشيت من الأمور مقدّرا |
و فررت منه فنحوه تتوجّه |
|
و لبشّار[٢]:
|
طبعت على ما فيّ غير مخيّر |
هواى و لو خيّرت كنت المهذّبا |
|
|
أريد فلا أعطى، و أعطى و لم أرد |
و قصّر علمى أن ينال المغيّبا |
|
|
و أصرف عن قصدى و علمى مقصّر |
و أمسي و ما أعطيت إلّا التّعجّبا |
|
و لما وقع الطاعون بالكوفة، فرّ ابن ابى ليلى[٣] على حمار له يطلب النجاة، فسمع منشدا ينشد:
|
لن يسبق اللّه على حمار |
و لا على ذى منعة طيّار |
|
|
أو يأتى الحتف على مقدار |
قد يصبح اللّه أمام السّارى[٤] |
|
فكرّ راجعا إلى الكوفة، و قال: إذا كان الله أمام السارى، فلات حين مهرب.
و أنشد بعضهم:
|
أقام على المسير و قد أنيخت |
مطاياه و غرّد حادياها[٥] |
|
|
و قال أخاف عادية اللّيالى |
على نفسى و أن ألقى رداها[٦] |
|
|
و من كتبت منيّته بأرض |
فليس يموت فى أرض سواها |
|
[١] - الرائد: هو الرسول الذى يرسله القوم لينظر لهم الماء أو المرعى أو المكان ينزلون فيه.
[٢] - هو بشار بن برد الشاعر الأعمى الفارسى الأصل عاش بالبصرة و أكثر من الهجاء و التشبيه بالنساء، اتهم بالزندقة فمات ضربا بالسياط سنة ١٦٧ ه.( الأعلام ٢/ ٥٢).
[٣] - هو عبد الرحمن بن أبى ليلى فقيه و من المحدثين الفقهاء و كان من كتيبة القرّاء الذين حاربوا الحجاج بن يوسف و قتل فى معركة دير الجماجم سنة ٨٣ ه.( المقنع في علوم الحديث ٢/ ٥٣٢).
[٤] - الحتف: الموت يأتى فى موعده المقدر و المحدد. و السارى: الماشي ليلا.
[٥] - أنيخت مطاياه: أى نزلت و بركت، و المطية: هى الدابة التى تركب يستوى فيها المذكر و المؤنث، فالبعير مطية و الناقة مطية. و الحادي: الذي يسوق الإبل و يتغنى بها.
[٦] - عادية الليالى: الخيل المغيرة ليلا، و تطلق على( كل أمر جلل أو مصيبة) نقول: عوادى الدهر اى عواقبه.