سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠٢ - الباب الثانى و الستون فى القضاء و القدر و التوكل و الطلب
و لما قتل كسرى بزرجمهر، وجدوا فى منطقته[١] كتابا فيه، إذا كان القدر حقا فالحرص باطل، و إذا كان الغدر فى الناس طباعا فالثّقة بكل أحد عجز، و إذ كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.
و قال ابن عباس، و جعفر بن محمد، و الحسن البصرى[٢] فى قوله تعالى:
وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما [الكهف: ٨٢] إنما كان الكنز لوحا من ذهب، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، و عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب! و عجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح! و عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل! و عجبت لمن يعرف الدنيا و تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله.
و قال يحيى بن معاذ[٣]: عجبت من ثلاث: رجل يريد تناول رزقه بتدبيره و هو يرى تناقض تدبيره، و رجل شغله همّ غده، و عالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
و من عجيب ما نزل بالإسكندرية: أن رجلا من خدمة السلطان، غاب عن خدمته أياما، فقبضه الشّرط و حملوه دار السلطان، فانساب منهم فى بعض الطريق، و ترامى فى بئر و المدينة مسرّبة تحت الأرض بأسراب يمشى الماشى فيها قائما، يخترقها و يدورها، لأن فى دورها آبارا على تلك السّروب، فما زال الرجل يمشى إلى أن لاح له بئر مضيئة، فطلع فيها و إذا البئر فى دار السلطان، فطلع الرجل فى دار السلطان، فادّبه السلطان فكان فيه المثل سائر: الفارّ من القضاء الغالب كالمنقلب[٤] فى يد الطالب.
و قال ابن مسعود: إنّ الرجل ليشرف على الأمر، من الإمارة، و التجارة، أو غيرها، ذكره الله تعالى فوق سماواته، فيقول للملك: اصرف عن عبدى هذا
[١] - المنطقة: ما يشد على الوسط من حزام أو ما شابهه.
[٢] - سبق التعريف بهم.
[٣] - يحيى بن معاذ بن جعفر الرازى، واعظ زاهد لم يكن له نظير فى وقته، من اهل الرأى، أقام ببلخ و مات فى نيسابور سنة ٢٥٨ ه، و له كلمات سائرة منها ما هو فى النص أعلاه، و منها قوله:
اجتنبت صحبة ثلاثة أصناف من الناس: العلماء الغافلين- و القراء المداهنين، و المتصوفة الجاهلين( الأعلام ٨/ ١٢٧).
[٤] - في( ط): كالمنفلت.