سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٦٩ - الباب الثانى عشر فى التنصيص على الخصال التى زعم الملوك أنها أزالت دولتهم و هدمت سلطانهم
فقلت: زال عنّا الملك، فقلّ أنصارنا، و انتصرنا بقوم من الأعاجم دخلوا ديننا، و لنا عبيد و أتباع فعلوا ذلك على كره منا، فأطرق مليّا- يقلّب كفّيه و ينكت فى الأرض- ثم قال: ليس كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرم الله، و ظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله العزّ بذنوبكم، و لله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها، و أخاف أن يحلّ بكم العذاب و أنتم ببلدي فيصيبنى معكم، و إنّما الضيافة ثلاثة أيام، فتزوّدوا ما احتجتم إليه، و ارتحلوا عن بلدي. فتزودنا و ارتحلنا.
و سئل بزرجمهر[١]: ما بال ملك آل ساسان[٢] صار إلى ما صار إليه، بعد أن كان فيه من قوّة السلطان، و شدّة الأركان؟ فقال: ذلك لأنهم قلّدوا كبار الأعمال صغار الرجال.
و عن هذا قالت الحكماء: موت ألف من العلية[٣]، أقلّ ضررا من ارتفاع واحد من السّفلة.
و فى الأمثال: إن زوال الدول باصطناع السّفل.
و قال الشافعي[٤] رضى الله عنه: أظلم الناس لنفسه اللئيم، إذا ارتفع جفا أقاربه، و أنكر معارفه، و استخفّ بالأشراف، و تكبّر على ذوي الفضل.
و سئل بعض الملوك- بعد زوال ملكه- ما الذى سلبك ملكك؟ قال:
إعطاؤنا من بطر و طغى، و رفع عمل اليوم لغد.
و سئل بعض الملوك- بعد أن سلبوا ملكهم- ما الذى سلب عزّكم، و هدم ملككم؟ فقال: شغلتنا لذّاتنا عن التفرّغ لمهماتنا. و وثقنا بكفاتنا[٥] فآثروا مرافقهم علينا. و ظلم عمّالنا رعيّتنا فانفسدت نيّاتهم لنا، و تمنّوا الراحة منا.
[١] - بزرجمهر: من حكماء الفرس و كان وزيرا لأنوشروان.
[٢] - آل ساسان: ملوك الفرس.
[٣] - العلية: أى علية القوم و أمراؤهم.
[٤] - الإمام الشافعي: محمد بن إدريس، ولد فى غزّة بفلسطين، و نشأ فى مكة، و درس على الإمام مالك فى المدينة، و هو إمام و مؤسس المذهب الشافعى( أحد المذاهب الفقهية الأربعة)، توفي فى مصر سنة ٢٠٤ ه، و قبره معروف فى القاهرة بسفح جبل المقطم،( الأعلام ٦/ ٢٦).
[٥] - كفاتنا: من يقومون مقامنا.