سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٤٦٤ - فصل فى بعض الحكايات عن الفرج بعد الشدة
تغادر[١] منه ذرة، قال: فأين الحمار؟ قال: هو عند هذا الجائى معك[٢].
فنهض إلى داره، فوجد متاعه سليما، و استخرج الحمار من الموضع الذى كان فيه، و وسّع على اهله و أخبرهم بقصته، فزاد أهله فرحا و تبرّكا بذلك المولود.
و لما وفّى موسى ٧ لصهره شعيب ٧ الأجل الذى أجلاه لرعى غنم شعيب، التى رعاها موسى عوضا عن مهر ابنته، أخذ موسى ٧ زوجته و كرّ راجعا من مدين[٣] فلما وافى الوادى المقدس عند جانب الطور[٤]، أجنّهم الليل بظلمته، فأمسوا بائتين، فبينما هم كذلك إذ ضرب زوجته الطّلق- و كانت حاملا- و ليس عندهم ما تحتاج إليه النّفساء من الغذاء و الدوا، و ما يصلح به شأنهم، فبقوا فى ضيق من الحال و قلة من الحيلة، فخرج موسى ٧ يلتفت و ينظر يمينا و شمالا، عسى فرج لما أمسوا فيه من الضّرر إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً [طه: ١٠] فَلَمَّا أَتاها [طه: ١١، القصص: ٣٠] أضيق ما يكون ذرعا، و أحرجه قلبا، و آيسه عن رفق، نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ[٥] [القصص: ٣٠] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ[٦] [طه: ١١- ١٢].
و هكذا لطائف الحق سبحانه مع من سلّم لأمره، و رجا فضله، و تكلم بالهدى و البشرى، يفسح الله فيه أمله، و يعطيه فوق ما سأله. هذا موسى ٧ خرج يقتبس نارا، نودى بالنبوة.
و عن هذا قال علماؤنا: ليس فى خصال الخير و إن جلّت، و لا فى أنواع الأعمال و إن عظمت، أعلى من حسن الظن بالله تعالى.
[١] - ما تغادر منه: أى ما نقص منه.
[٢] - الجائي معك: الآتي معك.
[٣] - أرسل الله إلى مدين أخاهم شعيبا: مدين قرية قريبة من أرض معان فى أطراف الشام و مما يلى ناحية الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط، و مدين قبيلة عرفت بهم و هم من بنى مديان بن إبراهيم الخليل أرسل الله تعالى لهم شعيب بن ميكيل نبيا لهم و قيل إنه كان ممن آمن بإبراهيم ٧ يوم أحرق بالنار( قصته مذكورة فى قصص الأنبياء ابن كثير ص ١٨٦ و ما بعدها).
[٤] - جبل الطور: جبل طور سيناء الذي كلم الله تعالى عنده موسى ٧.
[٥] - و تكملتها: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.
[٦] - و تكملتها: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً.