سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٤٥ - الباب السادس و الأربعون فى سيرة السلطان مع الجند
و لما أفضى الأمر إلى أبى جعفر المنصور، أنفذ جيشا و قال لقوّاده: سيروا بمثل هذه السيرة، ثم قال: صدق الأعرابى؛ (أجع كلبك يتبعك) فقام أبو العباس الطوسى[١]، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف، فيتبعه و يدعك.
و يروى: أن كسرى صنع طعاما فى سماط[٢]، فلما فرغوا و رفعت الآلات، وقعت عينه على رجل من أصحابه، قد أخذ جاما[٣] له قيمة كبيرة، فسكت عنه، و جعل الخدم يرفعون الآلات، فلم يجدوا الجام، فسمعهم كسرى يتكلمون، فقال: ما لكم؟ فقالوا: فقدنا جاما من الجامات، فقال: لا عليكم، أخذه من لا يرده، و رآه من لا يفضحه، فلما كان بعد أيام، دخل الرجل على كسرى، و عليه حلية جميلة، و حال مستجدة، فقال له كسرى: هذا من ذاك؟
قال: نعم، و لم يقل له شيئا.
و سئل عمرو بن معاذ- و كان على الصوائف[٤]-: بم قدرت على جيوش الصائفة؟ و كان يغزو فى كل سنة، و يجر الجيوش إلى بلاد الروم، فقال:
بسمانة الظهر[٥] و القديد[٦] و كثرة الكعك.
و روى: أن بعض أمراء العرب، كان ظالما لرعيّته، شديد الأذى لهم فى أموالهم، فعوتب فى ذلك، فقال: (أجع الكلب يتبعك) فوثبوا عليه فقتلوه، فمر بعض الحكماء، فقال: (ربما أكل الكلب صاحبه إذا لم يشبعه).
[١] - أبو العباس الطوسي: كان قائد حرس أبي جعفر المنصور في الكوفة بعد موت قائد حرسه المشهور عيسى بن مهنيك.
[٢] - السّماط: ما يبسط ليوضع عليه الطعام.
[٣] - الجام: وعاء موضوع للشراب أو الطعام مصنوع من فضة أو غيرها.
[٤] - الصوائف: مفردها صائفة، و هى الجيوش التى تغزو فى الصيف و غالبا ما تتجه نحو الثغور الجبلية التى تكون باردة فى الشتاء.
[٥] - سمانة الظهر: كثرة لحمه و شحمه.
[٦] - القديد: اللحم المجفف في الشمس.