سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٣٤٣ - الباب الخامس و الأربعون فى صحبة السلطان
و قال ساميد- أحد حكماء الفرس-: أربعة أشياء ينبغى أن تفسر للفهيم كما تفسّر للبليد، و لا يتّكل فيها على ذكاء أحد: تأويل الدّين، و أخلاط الأدوية، و صفة الطريق المخوف، و الرأى فى السلطان.
و اعلم: أن السلطان إذا انقطع منك فى الآخر نسى الأول، فأرحامهم مقطوعة، و حبالهم مصرومة[١]، إلا من رضوا عنه فى وقتهم و ساعتهم، و إذا رأيت من الوالى خلالا[٢] لا تنبغى، فلا تكابده[٣] على ردّها، فإنها رياضة صعبة، لكن أحسن مساعدته على أحسن رأيه، فإذا استحكمت منه ناحية من الصواب، كان ذلك الصواب، هو الذى يبصّره الخطايا اللطيفة أكثر من تبصيرك.
و اجعل العدل من حكمتك، فإن العدل يدعو بعضه إلى بعض، فإذا تمكّن اقتلع الخطأ.
و لا تطلب ما قبل الوالى بالمسألة، و لا تستبطئه و إن أبطأ، و لكن أطلب ما قبله بالاستحقاق و الاستيناء[٤]، فإنّك إذا استحققته أتاك من غير طلب، و إذا لم تستبطئه كان أعجل له.
و قال يحيى بن خالد[٥]: إذا صحبت السلطان، فداره مداراة المرأة العاقلة القبيحة للزوج الأحمق المبغض.
و قال يحيى بن خالد لبعض إخوانه: تنكر لى هارون الرشيد، فقال له: أرض بقليله من كثيره، و إياك أن تسخط فيكون أسخط منك.
[١] - انصرم الحبل: انقطع.
[٢] - الخلال: الصفات أو الخصال.
[٣] - كابد الأمر: قاسى شدته.
[٤] - الاستيناء: من التأنّي.
[٥] - يحيى بن خالد البرمكى: مؤدب هارون الرشيد و وزيره و سبقت ترجمته.