سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٧ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
و قد جلست الوزراء على كراسيها، و المرزابة[١] فى مجالسها، وقف بحيال الملك ثم قال: الحمد لله المأمول نعمه، المرهوب نقمه، الدّالّ عليه بالرّغبة إليه، المؤيّد الملك بسعوده فى الفلك، حتى رفع شأنه و عظم سلطانه، و أنار به البلاد، و أعاش به العباد، و قسم له فى التقدير وجوه التدبير، فرعى رعيّته بفضل نعمته، و حماها بالمؤيّدات[٢]، و أوردها المعشبات[٣]، و ذادها عن الآكلين[٤]، و ألّفها بالرّفق و اللين، إنعاما من الله تعالى عليه، و تثبيتا لما فى يديه، و أسأله أن يبارك له فيما آتاه، و يخيّر له فيما استرعاه، و يرفع قدره فى السماء، و ينشر ذكره تحت الماء، حتى لا يبقى له بينهما مناوئ[٥]، و لا يجد له فيهما مدانى[٦]، و أستوهب له حياة لا تنغيص فيها، و قدرة لا شاذّ عنها، و ملكا لا بؤس فيه، و عافية تديم له البقاء و تكثر له النّماء، و عزّا يؤمّنه من انقلاب رعيّة، أو هجوم بليّة، فإنّه مولى الخير، و دافع الشر.
فأمر الملك فحشى فمه بثمين الجواهر و رفيعه، و لم يدفع حداثة سنه مع نبيل كلامه أن استوزره، و قلّده خيره و شرّه، فكان أوّل داخل و آخر خارج.
و قال عمر بن عبد العزيز: ما لله على العاقل نعمة بعد الإسلام أفضل من مباينة هذه السفلة[٧] بالفهم و العقل. و لو لم يكن هذا، ما عرف الله تعالى إلا بالجهل، أ لا ترى أن الله تعالى خاطب أولى النهى، و ذوى الألباب و ذوي البصائر، و يجب على العلية أن يحمدوا الله تعالى، على مباينتهم هذه السّفلة بالعقول و الأفهام، كما يحمدونه على جميع النعم.
و قيل لمروان بن محمد- و هو آخر ملوك بنى أمية-: ما الذى أصارك إلى هذا؟ قال: الاستبداد برأيى، لما كثرت عليّ كتب نصر بن سيار[٨] أن أمدّه
[١] - المرازبة: كلمة فارسية و تعنى الرؤساء، واحدهم مرزبان.
[٢] - المؤيدات: كل ما تؤيّد و تقوى به.
[٣] - المعشبات: الأرض الكثيرة العشب.
[٤] - ذادها عن الآكلين: حماها من المفترسين.
[٥] - مناوئ: معادي.
[٦] - مداني: قريب، من دنا يدنو.
[٧] - مباينة هذه السّفلة: مخالفة أراذل الناس و سفهائهم، و النص هذا في محاضرات الأدباء للأصفهاني ١/ ٣٧٥.
[٨] - نصر بن سيّار كان واليا لمروان بن محمد على خراسان و كان يحاربه أبو مسلم الخرسانى ليأخذ السلطة منه و قد سبقت ترجمته.