سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١٩ - الفصل الأول يشتمل على أخبار رفعت إلينا بعد الفراغ من الكتاب، فألحقناها
فأمر الملك لذوبان بمائة ألف درهم، فلم يقبلها، و قال: أيها الملك: إنّ ملكى لم يوجّهنى إليك لأنقصك مالك، فلا تجعل ردّى لنعمتك تسخّطا[١]، و سأقبل ما يفى[٢] هذا المال و يزيد عليه، قال المأمون: و ما هو؟ قال: كتاب يوجد بالعراق، فيه مكارم الأخلاق و علوم الآفاق، من كتب عظيم الفرس، فيه شفاء النّفس من صنوف الآداب، بما ليس فى كتاب عند عاقل لبيب، و لا فطن أريب، يوجد تحت إيوان بالمدائن[٣] فيقاس بالذّرعان فى وسط الإيوان، لا زيادة و لا نقصان، فاحفر المدر[٤]، و اقلع الحجر، فإذا وصلت إلى الساجة[٥] فاقلعها تجد الحاجة، و لا تلزم لغيرها فيلزمك عبء ضرّها، فأرسل المأمون إلى إيوان كسرى، فحفروا فى وسطه، فوجدوا صندوقا صغيرا من زجاج، عليه قفل منه، فحمل إلى المأمون، فقال لذوبان: هذا بغيتك؟ قال نعم أيها الملك. قال: خذها و انصرف. فتكلم بلسانه و نفخ فى القفل فانفتح، فأخرج منه خرقة ديباج، فنشرها فسقط منها أوراق، فعدّها مائة ورقة، و لم يكن فى الصندوق شيء غيرها، فأخذ الأوراق و انصرف إلى منزله، قال الفضل بن سهل: فجئته فسألته؟ فقال: هذا كتاب (جاويدان خرد)[٦] تأليف: (كيجور)- وزير ملك إيران شهر- فطلبت منه شيئا. فدفع إلىّ ورقات منه، و ترجمها لى الخضر بن على، ثم أخبرت المأمون، فقال: احمل إلىّ الورقات، فحملتها إليه. فقرأها، فقال: و الله هذا الكلام لا ما نحن فيه، من ليّ ألسنتنا فى فجوات أشداقنا، و لو لا أن العهد حبل طرفه بيد الله و طرفه بأيدينا لأخذته.
[١] - تسخّطا: كراهية و عدم رضا.
[٢] - ما يفي: ما يساوي.
[٣] - أى إيوان كسرى الموجود فى المدائن بجانب بغداد.
[٤] - المدر: الطين.
[٥] - الساجة: الخشبة الواحدة المربعة، و في( خ) الساحة.
[٦] - كتاب( جاويدان خرد) فارسي، سبق أن أخذ منه المؤلف الكثير من الحكم.