سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٢١ - الفصل الثانى(يشتمل على حكم لحكيم الفرس خاصة) من نوادر بزرجمهر - حكيم الفرس - قال
و أكلت الطيب، و شربت المسكر، و عانقت الحسان، فلم أجد شيئا ألذّ من العافية و الأمن.
و توسّطت الشياطين، و الجبال، و السّباع، فلم أجزع إلا من الإنسان السوء.
و أكلت الصبر، و شربت المر، فلم أر شيئا أمرّ من الفقر.
و شهدت الحروب، و تعبئة الجيوش، و باشرت السيوف، و صارعت الأقران[١]، فلم أر قرينا أغلب من المرأة السوء.
و عالجت الحديد، و نقلت الصخر، فلم أر حملا أثقل من الدّين.
و نظرت فيما يذلّ العزيز، و يكسر القويّ، و يضع الشّريف، فلم أر أذلّ من ذى فاقة و حاجة.
و رشقت بالنّشاب[٢]، و رجمت بالحجارة، فلم أر أنفذ من الكلام السوء، يخرج من فم مطالب بحق.
و عمّرت السّجن، و شددت فى الوثاق، و ضربت بعمد الحديد، فلم يهدمنى مثل ما هدمنى الغم، و الهم[٣]، و الحزن.
و اصطنعت الإخوان، و انتخبت الأقوام للعدّة، و الشّدة، و النائبة، فلم أر شيئا أخير من التكرّم عندهم.
و طلبت الغنى من وجوهه، فلم أر أغنى من القنوع.
و تصدّقت بالذّخائر، فلم أر صدقة أنفع من ردّ ذى ضلالة إلى هدى.
و رأيت الوحدة، و الغربة، و المذلّة، فلم أر أذلّ من مقاساة الجار السّوء.
و شيّدت البنيان لأعزّ به و أذكر، فلم أر شرفا أرفع من اصطناع المعروف.
و لبست الكسا الفاخرة، فلم ألبس شيئا مثل الصّلاح.
و طلبت أحسن الأشياء عند الناس، فلم أجد شيئا أحسن من حسن الخلق.
و سررت بعطايا الملوك و حبائهم[٤]، فلم أسرّ بشيء أكثر من الخلاص منهم.
[١] - الأقران: مفردها قرين و هو الكفؤ و النظير في العلم و الشجاعة.
[٢] - النشاب: السهام.
[٣] - سقطت كلمة( الهم) من( خ).
[٤] - الحباء: العطاء بلا منّ و لا جزاء.