سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥٠ - الباب الأول في مواعظ الملوك
يا أيّها الرجل: لا تغفلن عن تذكّر ما تتيقّنه من خوف الفناء، و تقضي المسار بذهاب اللذّات، و انقضاء الشهوات، و بقاء التبعات و انقلابها حسرات، و أنّ الدنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و عليها يعادي من لا علم له، و عليها يحسد من لا فقه له .... من صح فيها سقم، و من سلم فيها هرم، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها فتن، حلالها حساب، و حرامها عقاب، و متشابهها عتاب، من ساعاها فاتته[١]، و من قعد عنها أتته، و من نظر إليها أعمته، و من تبصّر بها بصّرته، لا خيرها يدوم، و لا شرها يبقى، و لا فيها لمخلوق بقاء.
يا أيها الرجل: لا تخدعنّ كما خدع من قبلك، فإنّ الذي أصبحت فيه من النّعم، إنما صار إليك بموت من كان قبلك، و هو خارج من يديك بمثل ما صار إليك، فلو بقيت الدّنيا للعالم لم تصر للجاهل، و لو بقيت للأوّل لم تنتقل إلى الآخر.
يا أيّها الرجل: لو كانت الدنيا كلّها ذهبا و فضّة، ثم سلّمت عليك بالخلافة، و ألقت إليك مقاليدها، و أفلاذ كبدها، ثم كنت طريدة للموت ما كان لك أن تتهنّأ بعيش، لا فخر فيما يزول، و لا غناء فيما لا يبقى، و هل الدنيا إلا كما قال الأول: «قدر تغلي، و كنيف[٢] يملأ» و كما قال الشاعر:
|
و لقد سألت الدّار عن أخبارهم |
فتبسّمت عجبا و لم تبدي |
|
|
حتّى مررت على الكنيف فقال لي |
أموالهم و نوالهم عندي[٣] |
|
و لقد أصاب «ابن السماك»[٤] لما قال له «الرشيد»[٥]: يا ابن السماك
[١] - أي: من سابقها في السعي سبقته.
[٢] - الكنيف: الساتر، أو المرحاض.
[٣] - النوال: ما يناله الإنسان أو العطاء أو النصيب.
[٤] - ابن السماك: هو أبو العباس محمد بن صبيح، القاضي الكوفي الزاهد المشهور، كان زاهدا عابدا حسن الكلام صاحب مواعظ، قدم من الكوفة إلى بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة، ثم رجع إلى الكوفة و مات فيها سنة ١٨٣ ه.( وفيات الأعيان ٤/ ٣٠١- ٣٠٢).
[٥] - هارون الرشيد: الخليفة العباسي الرابع من أشهر الخلفاء العباسيين، تولى الخلافة بعد أخيه الهادي أقر الأمن في المقاطعات خاصة الفارسية، و ازدهرت بعهده التجارة و العلوم و الآداب، و توفي سنة ١٩٣ ه.