سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٥١ - الباب الأول في مواعظ الملوك
عظني- و بيده شربة من ماء- فقال: يا أمير المؤمنين، أ رأيت لو حبست عنك هذه الشربة، أ كنت تفتديها بملكك؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين: فلو حبس عنك خروجها أ كنت تفتديه بملكك؟ قال: نعم. قال: فلا خير في ملك لا يساوي شربة و لا بولة.
أيّها الشاب: لا تغتّر بشبابك؛ فإن أكثر من يموت الشباب، و الدليل عليه: أنّ أقلّ الناس الشيوخ.
أيها الشاب: كم من جمل في التّنّور و أبوه يرعى، و كم من طفل في التراب و جدّه يحيا.
و قال عليّ بن أبي طالب[١]، رضوان الله عليه، لأسقف[٢] قد أسلم:
عظني، قال: يا أمير المؤمنين، إن كان الله عليك فمن ترجو؟ قال: أحسنت، فزدني، قال: إن كان الله معك فمن تخاف؟ قال: أحسنت فزدني، قال:
أحسب أنّ الله قد غفر ذنب المذنبين، أ ليس قد فاتهم ثواب المحسنين؟
قال: حسبي، حسبي، و بكى أربعين صباحا.
و قال الحسن[٣]: قدم صعصعة[٤].- يعني: عم الفرزدق[٥]- على النبي صلى اللّه عليه و سلم، فسمعه يقرأ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة ٧، ٨]، فقال: حسبي حسبي، لا أبالي أن لا أسمع آية غيرها.
و قال سليمان بن عبد الملك[٦]- لحميد الطويل-[٧]: عظني، فقال:
[١] - علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي- أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، و أحد العشرة المبشرين بالجنة، و ابن عم النبي صلى اللّه عليه و سلم، و صهره و تربى في حجره واحد الشجعان الأبطال و الخطباء و العلماء، جعل الكوفة دار خلافته إلى أن قتله ابن ملجم سنة ٤٠ ه.
[٢] - الأسقف: من رؤساء النصارى.
[٣] - الحسن: أي الحسن البصري- سبقت ترجمته.
[٤] - صعصعة: هو صعصعه بن ناجية، من أشراف مجاشع في الجاهلية، جد الفرزدق الشاعر- و ليس عمه- أول من قام في تميم بإنقاذ بناتهم من الوأد، وفد على النبي صلى اللّه عليه و سلم و أسلم، مات سنة ٩ ه.
[٥] - الفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة، من شعراء الأمويين الكبار، ولد بالبصرة، و اشتهر بالمدح و الهجاء، توفي سنة ١١٠ ه.
[٦] - سليمان بن عبد الملك: الخليفة الأموي السابع، تولى الخلافة بعد أخيه الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، توفي في دابق سنة ٩٩ ه.
[٧] - حميد الطويل: حميد بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة الخزاعي البصري، تابعي، من أهل الحديث، توفي سنة ١٤٢ ه.