سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٠٠ - الباب الثالث و العشرون في العقل و الدهاء و الخبث
نفسه فرأى ما فيها من العجائب و التركيب، و منفعة كل عضو و تخصيصه، إما بجلب نفع أو دفع ضر، فأمعن نظره في عضو واحد مثلا، و هو فمه، فيرى في أوله أسنانا تشبه الفأس تصلح للقطع، و في آخره طواحين مضرسة تصلح للطحن، و شدقين كأنهما ثفال[١] الرحى، يمنعان أن ينهرق الطعام إلى الخارج، و لسانا يرد ما انقلب من الطعام إليه على الطواحين، ثم يلي ذلك بلعوم لازدراده بعد الطحن، علم بأدنى تأمل أن هذه الخلقة ما انفعلت بنفسها اتفاقا، بل هي مفتقرة على قصد قاصد، و جعل جاعل.
و على هذا النمط، لو ذهبنا نذكر منفعة كل عضو، لوقفت على العجب، و لكن تركناه كراهية التطويل، و على هذا المعنى نبّه الكتاب المهيمن[٢] فقال تعالى: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١] و في هذه العبرة تستقل العقول بإثبات الصانع، و تستغني عن النظر في الجواهر و الأعراض[٣].
فالعلم المفيد لإثبات الصانع في الشاهد: مثل البنّاء، و النجّار و الخيّاط، و أشباههم، بعد النظر في صنائعهم على اضطرار.
و العلم المثبت للصانع سبحانه، عند النظر في حدوث العالم، علم استدلال، اعتبارا للغائب بالشاهد، إذ لا فرق في العقول بين صنعة و صنعة في اقتضاء صانع، و إنما كان العلم في الشاهد ضروريا، لأن الإنسان لم يزل يرى البنّاء يبني، و الخيّاط يخيط، و النجّار ينجر الخشب، و لم تر العقلاء القديم سبحانه يخلق و يخترع، و إنما استفادوه من النظر في الشاهد.
فإن قيل: فأي العلمين أقوى في النفوس، و أثبت في العقول؟ العلم بالصانع عند النظر في السرير و اقتضائه للنجّار؟ أم العلم بالإله عند النظر في السموات و الأرضين و ما بينهما؟.
فالجواب: أنّ هذا يستدعي تفصيلا و تدقيقا، و ليس هذا الكتاب موضوعا لذلك، فحينئذ نعلم أن معه عقلا غريزيا، و نسميه عاقلا، و نوجه التكليف عليه، و هو العقل التكليفي.
[١] - الثفال: جلد يبسط تحت الرحى، و الثفال: حجر الرحى الأسفل.
[٢] - القرآن الكريم.
[٣] - الجواهر: ما قام بنفسه و الأعراض: ما قام بغيره.