سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٠١ - الباب الثالث و العشرون في العقل و الدهاء و الخبث
و إذا ثبت هذا فاعلم أن الله تعالى، خلق الخلق على أربعة أنحاء: ملائكة، و آدميين، و شياطين، و بهائم.
فأما الملائكة فعقول بلا شهوات، و لا هوى يقارنه.
و أما البهائم فشهوات بلا عقول.
و أما الشياطين و الجن فركّب الله فيها العقول و الشهوات و الهوى.
و هكذا ركّب في بني آدم العقل و الهوى و الشهوة، فغلبت شهوات الشياطين و هواهم عقولهم، فقطعوا أوقاتهم بالأخلاق المذمومة بالكبر، و العجب، و المقت، و الفخر، و الدعوى، و الحسد، و الأذية، و سائر الأخلاق المهلكة.
و أما البهائم فتقضي أوقاتها في شهوات البطن و الفرج.
و أما الآدميون، فركّب فيهم عقول الملائكة، و أخلاق الشياطين، و شهوات البهائم، فمن غلب عقله هواه منهم فكأنّه من عالم الملائكة، كالأنبياء، و الرسل، و الأولياء، و الأصفياء، و قليل ما هم.
و أما من كان عقله مغلوبا بهواه و شهواته، فإن كان ذلك من المباحات من المطاعم و المشارب، و الملابس و المراكب، و النساء و الخيل المسومة، و الأنعام و الحرث، فأكل و تمتّع بعد أن كسبه من حلّه، فهذا من عالم البهائم، و إنما ألحقناه بعالم البهائم لأنه لا تكليف على البهائم، و كذلك هذه المباحات، لا حرج في الاستمتاع بها، بعد أن يكون كسبه من حلّه.
و إن كان الغالب عليه أخلاق الشياطين من الكبر، و العجب، و الحسد، و الغش، إلى سائر الأخلاق المذمومة، فهذا من عالم الشياطين.
و إن اجتمع في الشخص إفراط الشهوات، و اتّباع الهوى، و الأخلاق المذمومة، فيكون آدميا في صورته، شيطانا في خلائقه، بهيمة في شهواته، فلا يصلح للصحبة، و إن ثبت هذا فاعلم أن هذا العقل الغريزي أطول رقدة[١] من العين، و أحوج إلى الشحذ من السيف[٢].
[١] - الرقدة: النوم.
[٢] - شحذ السيف أو السكين: أحده بجعله حادا.