سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٢ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
في لذّة العفو، ما تقرّبوا إليّ إلا بالجرائم). فاق حلمه سائر خلفاء بني العباس، حتى صار يضرب المثل بحلمه، و بهذه الخصلة تهيّأ ملكه، و قهر أخاه الأمين.
و منها دولة بني أميّة: أوّلهم معاوية بن أبي سفيان، و آخرهم مروان الجعدي، لم يكن فيهم أحلم من معاوية، و لا جرم دانت له الدنيا[١]، و ملك بها رقاب العرب و العجم، و صار حلمه يضرب به المثل، و يقتدى به الخلق، و يتخلّق به العقلاء، حتى حكي عنه أنه كان يقول: لو كان بيني و بين الناس خيط عنكبوت، أو شعرة، ما انقطعت، إذا جذبوها أرسلت، و إذا أرسلوا جذبت.
و هذه دولة الفرس: و كانت أعظم دول الأرض و أشدّها بأسا، و أكثرها علوما و حكما، لم يكن في أكاسرها أحلم من كسرى أنوشروان، و صار يضرب بحلمه المثل، و تطرّز بسيرته الكتب و المصنّفات، فيروى أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- لقي كبيرا من كبراء فارس، فقال له: ما أحمد خصال ملوككم؟. فقال: السّبق لشيرويه، و أحمدهم سيرة أنوشروان.
فقال له علي: و ما كان أغلب خصاله عليه؟. قال الحلم و الأناة. فقال علي:
هما توأم ينتجهما علوّ الهمة.
و بلغ من حلمه أنه كان يضيق صدره بحلمه، فقال فيّ خصلتان، لو لا أنهما ظاهرتان عند الرعيّة، لضقت بهما ذرعا، الحلم و الأناة.
فأخلق بخصلة تعمّ منفعتها، و يبقى على الدهر جمالها، و تخلد في العلماء و العقلاء و الملوك و السّوقة بهجتها، و حسن مصادرها و مواردها، أن يتخذها الملوك شعارا و دثارا، و إنما قصدت الحكماء من الملوك خاصة، فأمّا من سواهم من الرّعية- كالأحنف و نظرائه- فلا يحصون كثرة.
[١] - لا جرم: أي حقا.