سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٥٠ - الباب الثامن و العشرون في الحلم
و من أنبل بيت قالته العرب، قول بعضهم:
|
فصح بالخير خرس بالخنى |
رجع الأحلام ذيّال الأزر[١] |
|
و قال غيره:
|
بأحلام عاد لا يحاف جليسهم |
إذا نطق العوراء عرب لسان[٢] |
|
|
إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم |
و إن حدّثوا أدّوا بحسن بيان |
|
و قال المسيح ٧: ما حلم من لم يصبر عند الجهل؟! و ما قوّة من لم يردّ الغضب؟ و ما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى؟.
و قيل للإسكندر: إنّ فلانا و فلانا ينتقصانك و يثلبانك[٣] فلو عاقبتهما.
فقال: هما بعد العقوبة أعذر في ثلبي و تنقيصي.
و يروى: أن جرير بن عبد الله[٤] بينما هو راكب قد أردف ابنه، إذ لقيه رجل فنال منه، و جرير ساكت، فلما ولّى قال له ابنه: يا أبت لم سكت عنه؟.
قال: يا بني أ فأوسّع جرحي؟
و قال بعض الحكماء: متى أشفي غيظي؟ أ حين أقدر فيقال لو عفوت؟ أم حين أعجل فيقال لو صبرت؟
و سئل بعض أصحاب الأحنف: أ كان الأحنف يغضب؟ فقال: نعم، لو لم يغضب ما بان حلمه، كان يغضبه الشيء، يبين في وجهه اليومين و الثلاثة، و هو يصبر و يحلم، و من لم يغضب من الأشياء التي مثلها يغضب، فقد فقد من الفضائل الشجاعة و الأنفة و الحميّة و الدفاع، و الأخذ بالثأر، و الغيرة، لأن هذه الخصال نتائج الغضب، و من فقد الغضب فقد فقد أسّ الفضائل- على ما سنذكر في باب الشّجاعة، إن شاء الله تعالى- و عند فقد الشّجاعة تكون المهانة، و من المهانة يكون سفاف الأخلاق، و رذالة الطّباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع.
[١] - يتكلمون بالخير و يخرسون عن الفاحش من القول عقولهم راجحة و يشد بهما الأزر.
[٢] - بأحلام عاد: ضخام الأجسام كما فهم من قوم عاد.، لا يحاف: لا يظلم و في( خ) لا يحاف جليهم. العوراء: المعاني الغامضة.، عرب لسان: أي اللسان العربي الفصيح.
[٣] - يثلبانك: يعيبانك.
[٤] - جرير بن عبد الله البجلي أبو عمرو: صحابي مشهور روى عن النبي صلى اللّه عليه و سلم و عمر و معاوية و عنه روى أولاده الكثير من الأحاديث، مات سنة ٥١ ه.( مشاهير الأمصار ١/ ٤٤).